اتخذت الصين سياسة انعزالية في عهد ماو تسي تونغ حتى عام 1971م، إلا أن فترة السبعينات اتّسمت بتحولات أيديولوجية جذرية، إذ قرّرت الصين تغيير سياسة العزلة والانغلاق والبدء بسياسة الانفتاح نحو الغرب، لأسباب تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية والتهديد الخارجي الروسي، وقد تمّ تتويجُ هذا الانفتاح بزيارة الرئيس الأمريكي نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر للصين عام 1972م.

هذا الانفتاح لم يكن ضرورة وحاجة صينية بحتة فحسب، وإنما حدث لأن الغرب، بقيادة تيار العولمة، قرّرَ أن يدعمَ الصين ويدفعَها نحو الانفتاح وفق استراتيجية ملتقى الحضارات التي تبنّاها هذا التيارُ، ومن هذا المنطلق بدأت سرديةُ العلاقة الصينية الغربية، من حالة صراع عسكري أمني، إلى حالة منافسة اقتصادية أمنية.

ومع تنصيب شي جين بينغ رئيسا للصين في مارس 2013م، وتبنّيه استراتيجية الحزام والطريق، بدأتْ رحلةٌ جديدة في العلاقات الصينية الغربية، التي اتخذتْ طابعا اقتصاديا أمنيا، أكثر من اتخاذه الطابع العسكري الأمني، وقد تزامنت هذه الاستراتيجية مع الانقسام الذي جصل داخل تيار العولمة في التسعينات من القرن الماضي، إذ انفصلَ التيارُ القومي الوطني الغربي عن تيار العولمة، واتخذَ لنفسه استراتيجيةً جديدة مختلفة بشكل جذري عن استراتيجية تيار العولمة، فقد استمرَّ تيارُ العولمة في تعامله المَرن والداعم للصين، على حساب الروس، بينما اتخذَ التيارُ القومي اليميني موقفا متشدّدا من استراتيجية الصين الانفتاحية.

وبجانب استراتيجية الحزام والطريق، تبنّت الصينُ سياستَين اقتصاديتَين لإدارة البلاد: سياسة اشتراكية في الشمال، وسياسة ليبرالية رأسمالية في الجنوب، واستقطبتِ الرأسمالَ العالمي، ورفعتْ مستوى الإنتاج وغزتِ العالمَ، وركّزتْ على الإنتاج التكنولوجي، ونافستِ الغربَ، وبالأخص أمريكا، في المجالات التكنولوجية، مما دفعَ أمريكا إلى الحذر من نشاطها هذا، بل ودفعَ التيارَ القومي اليميني إلى عرقلة هذا النشاط، وتحريكِ مشكلة تايوان من أجل امتصاص قدراتها الاقتصادية، بل وإيجادِ طريقٍ بحري استراتيجي بديلٍ عن مشروع الحزام والطريق، وهو الطريق الهندي الإسرائيلي الاستراتيجي.

الصينُ تتجنّبُ الحربَ، ولن تدخلَها إلا مُضطَرَّةً، لأن ذلك يعني دمارُها وفناءُ مئات الملايين من البشر، جوعا، وليس قتلا فقط، لذلك سلكتِ المسلكَ الاقتصادي لبسط نفوذها على العالم، ومن خلال الصناعات التكنولوجية، التي تنافسُ الصناعات التكنولوجية الأمريكية.

الناتج المحلي الإجمالي الصيني ضخم، وتستخدمه الصين لتحقيق استراتيجيتها من خلال مشروعها، الحزام والطريق، إضافة إلى توفير حياة كريمة للعدد الضخم من سكانها، وأي صراع، وبأي شكل من الأشكال، سيؤثّر سلبا على أهدافها هذه، وستتعرّض الصينُ للإنكسار، سواء دخلت الحرب العسكرية أم لم تدخل، وهذه نقطةُ الضعف الأساسية للصين.

اِتّجاهُ الصينِ نحو الصناعات التكنولوجية قدرٌ مُلزِمٌ، لأنها تدرُّ عوائد مالية ضخمة أكثر من عوائد الصناعات التقليدية، والتي تعوّل الصينُ عليها لإدارة دفّة الاقتصاد وتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وهذا الاتجاه وضعَ الصينَ في مواجهة أمريكا، اقتصاديا وأمنيا، إذ تُعتبَر أمريكا أكبر دولة في انتاج الصناعات التكنولوجية، ويُعتبَرُ وادي السيليكون مرتعًا لهذه الصناعة، لذلك ستعيق أمريكا حركةَ الصين بهذا الاتجاه، كما أن آثار هذه الصناعة من الناحية الأمنية أصبحت هاجسا يُقلق مضاجعَ المسؤولين الأمريكان، لذلك، من الطبيعي أن تجدَ أمريكا نفسَها في حالة صراع من جهة، ومنافسة من جهة أخرى مع الصين.

العملةُ الصينية، اليوان، عملةٌ محلية، لا تُستخدَمُ في التجارة الخارجية إلا من خلال عقود "السواب" واتفاقات التبادل التجاري بالعملة المحلية، لذلك فهي غيرُ قادرة على منافسة الدولار الذي يمثّلُ عملةَ التجارةِ العالمية ويحتلُّ أكثر من نصف احتياطيات البنوك المركزية العالمية.

هناك من يعتقدُ أن الصين، في المستقبل المنظور، ستحلُّ محلّ أمريكا، اقتصاديا على الأقل، وذلك من خلال النظر إلى حجم اقتصادها ونموِّه المُطَّرِدِ، وهذا وَهمٌ، لأن هذا الحجم من الاقتصاد لا يعني بالضرورة قوة اقتصادية، وإنما لا بدَّ من أن يقترنَ بعوامل جيوسياسية وأمنية ودبلوماسية أخرى كي يتحوّل هذا الاقتصاد إلى قوة مؤثرة عالميا، ناهيك عن أن الاقتصاد الصيني يعاني من أعطابٍ هيكلية ذاتية تُعيق تأثيرَه كقوة اقتصادية عالمية بديلة، كما تمّ توضيحه أعلاه.

تسعى الصينُ مع دول البريكس لأن تتحوَلَ إلى منظومة اقتصادية بديلة للمنظومة الغربية، وبالأخص الأمريكية، ولكن التناقضاتِ السياسيةَ والاقتصاديةَ والاجتماعيةَ داخل هذه المنظمة الاقتصادية تعيقُ نموَّها وتعرقلُ تنفيذَ قراراتِها، بل وتُفرِغُها من محتواها، وعلى سبيل المثال، لم تتمكّن هذه المنظمة الاقتصادية من إصدار عملتها الخاصة، ولن تصدرَها أبدا بسبب تلك التناقضات، لذلك، فإن مسعى الصين هذا لا يرتقي ليكون منافسا لأمريكا في المدى المنظور.

في المدى البعيد، وقد يكون بعد 2050م، ستَفكُّ إسرائيلُ ارتباطَها بأمريكا، وستدخلُ في تحالفاتٍ استراتيجية مع الصين، وستَتغيَّرُ استراتيجيةُ الصين في الشرق الأوسط، وستَتحوَّلُ إلى دولة عظمى وتحتلُّ مكانةَ أمريكا كلاعبٍ عالمي فاعل، وبدعمٍ من المنظومة اليهودية.