علي حسين فيلي/ يؤدي الجمود السياسي المستمر بين الطرفين الرئيسيين في إقليم كوردستان (الحزب الديمقراطي PDK، والاتحاد الوطني PUK) إلى تعطيل وتأخير القرارات المصيرية المرتبطة بمستقبل الإقليم، بما يضع هيبته ومكانته الخارجية على المحك، في بقعة طالما شكّلت خلال السنوات المنصرمة نموذجاً نسبياً للاستقرار السياسي والأمني.

ويأتي هذا الانسداد السياسي، والتعثر في تشكيل حكومة الإقليم، امتداداً لخلافات علنية وطويلة الأمد بين القطبين الرئيسيين. ومع استمرار هذا الوضع، أسفر التأخير الذي تجاوز عاماً كاملاً عن فرض تكاليف اقتصادية باهظة، يُقدَّر أن تتراوح بين عدة نقاط مئوية وقد تتجاوز 10% من إجمالي الناتج المحلي للإقليم، في ظل غياب سلطة تنفيذية مكتملة الصلاحيات قادرة على إدارة الملفات الاقتصادية والمالية.

ولا يقتصر أثر الإخفاق في تشكيل الحكومة على الجانب الاقتصادي فحسب، إذ يتقاطع ذلك مع تعطيل البرلمان، وعدم التوافق على مرشح مشترك لرئاسة جمهورية العراق في آن واحد. هذا التراكم في حالات الشلل السياسي والأدوات الدستورية يفرض أعباء سياسية وأمنية واجتماعية متزايدة، ويفتح في الوقت ذاته المجال أمام تصاعد النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تُستغل فجوة القرار لتعزيز أجندات خارجية على حساب إضعاف الموقف التفاوضي ومكانة الإقليم.

وقد أسهمت هذه الأوضاع في خلق أزمة شرعية واضحة، انعكست في تراجع الثقة العامة بالمؤسسات. إذ إن استمرار شلل البرلمان عطّل الدورين التشريعي والرقابي، وأوقف تمرير قوانين حيوية تمسّ حياة المواطنين ومستقبل الإقليم، فيما يُلاحظ حالياً تآكل متزايد في الثقة بالمؤسسات الديمقراطية بوصفها أداة تمثيل وحل للأزمات.

أكثر من عام من الفراغ السياسي والمؤسسي أضعف التمثيل الكوردستاني، وترك الإقليم معلقاً بلا بوصلة واضحة في تعاطيه مع بغداد أو مع محيط إقليمي يشهد تصعيداً وتوتراً متسارعين. وهنا، لا تُقاس الكلفة بالأرقام وحدها، على الرغم من ثقلها، بل تتحول إلى عامل ضغط استراتيجي يعمل ضد الإقليم لا لصالحه، ويحدّ من قدرته على المناورة وحماية مكتسبات شعبه ومصالحه.

والأخطر أن استمرار هذا الانسداد يعيد رسم موازين القوى على حساب القرار الكوردستاني، فيما يدفع المجتمع ثمن الأزمة بصمت. ولم يعد السؤال يتمحور حول الجهة التي تسببت في الأزمة بقدر ما بات يتعلق بحجم الفاتورة السياسية والاقتصادية والأمنية التي ستُدفع، قبل أن تتحول الخسائر إلى واقع دائم يصعب تداركه.

إن فرصة التوصل إلى اتفاق تعتمد على الواقع السياسي والمالي والأمني، ولكن يمكن حاليا تحديد السياق الحساس للوضع و"نقاط اللاعودة".

لا يوجد فائزون حقيقيون في الساحة السياسية الداخلية؛ إن عودة السلام إلى الشعب واستقرار حكومة إقليم كوردستان لا يمكن ضمانهما إلا من خلال اتفاق سياسي سريع وشفافية في إدارة السلطة، كما أن أسوأ وأخطر نتيجة لهذه الأزمة كانت الانهيار النسبي لنظام الحوكمة (وجود ممثلين وسلطتين فعليتين ضمن نفس الإقليم)، مما يسهل التدخل الخارجي.

في خلاصة المشهد، أن هذا الجمود يرسّخ ثقافة إدارة الأزمة بدل حلّها، ويحوّل الخلافات السياسية إلى نمط حكم دائم، تُدار فيه الملفات الحساسة بمنطق الانتظار والمساومة لا بمنطق الدولة والمؤسسات، وهذا لا يعني بالضرورة التنازل عن مكتسب أو مكانة واستحقاق، إنما البحث عن مصلحة الشعب والإقليم، حيث أن غياب أفق زمني واضح للحل، تتآكل القدرة التفاوضية مع بغداد والخارج، وتضعف مكانته أمام الشركاء الدوليين، فيما تتعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع. إن استمرار هذا المسار لا يعني فقط خسارة فرص التنمية والاستقرار، بل يهدد بإعادة تعريف الإقليم ككيان قابل للاختراق، بعد أن كان يُقدَّم لسنوات بوصفه مساحة استثناء في محيط مضطرب.