منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران في دوامة من الأزمات والعقوبات والتهديدات المتبادلة. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، ساد اعتقاد لدى البعض بأن الخلاف بين الطرفين يحمل أبعاداً مذهبية، إلا أن الوقائع السياسية تشير إلى أن جوهر الصراع كان يتمحور حول النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني وموازين القوى في الشرق الأوسط.

فإيران سعت إلى تثبيت مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة، بينما رأت الولايات المتحدة أن امتلاك طهران قدرات نووية متقدمة وتمدد نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة يشكل تحدياً لمصالحها وحلفائها. ومن هنا بدأت العقوبات الاقتصادية والحصار المالي والضغوط السياسية التي تصاعدت بصورة غير مسبوقة منذ عام 2006.

ورغم أن العقوبات ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني، فإنها دفعت طهران في الوقت نفسه إلى تعزيز الاعتماد على الصناعة الوطنية وتطوير قدراتها التكنولوجية والعسكرية. وأصبحت إيران اليوم واحدة من أبرز القوى المؤثرة في الشرق الأوسط، تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة مقارنة بالعديد من دول المنطقة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من دفع الثمن الأكبر لهذا الصراع؟

الحقيقة أن دول المنطقة بأكملها دفعت ثمناً باهظاً، إلا أن العراق كان من أكثر المتضررين. فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته السياسية والاقتصادية مع كل من الولايات المتحدة وإيران وجد نفسه في قلب العاصفة، يتأثر بأي تصعيد أو تقارب بين الطرفين.

لقد عانى العراق خلال العقود الماضية من سلسلة متواصلة من الحروب والأزمات التي استنزفت موارده البشرية والاقتصادية. فالحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 خلفت مئات الآلاف من الضحايا وألحقت أضراراً اقتصادية قدرت بمئات مليارات الدولارات. ثم جاءت حرب الخليج الثانية عام 1991 وما تبعها من حصار اقتصادي استمر أكثر من اثني عشر عاماً وأدى إلى تراجع خطير في مستوى التنمية والبنى التحتية والخدمات.

وبعد عام 2003 دخل العراق مرحلة جديدة من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، إذ أصبح ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، وتأثر بشكل مباشر بالصراع الأمريكي الإيراني. كما تكبد خسائر هائلة نتيجة الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي وتراجع الاستثمار وتعطل مشاريع التنمية.

ويبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أهم نقاط التأثير في هذا الصراع. فالعراق يصدر معظم نفطه عبر الخليج العربي، وأي تهديد أو إغلاق للمضيق يعني تعطيل جزء كبير من صادراته النفطية التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الدولة. لذلك فإن أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران لا تهدد إيران وحدها، بل تهدد الاقتصاد العراقي والخليجي والعالمي بأسره.

وتشير التقديرات إلى أن أي توقف طويل لحركة النفط عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات يومياً للدول المصدرة للنفط، فضلاً عن ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والتأمين والشحن عالمياً. كما تتأثر الاقتصادات المستوردة للنفط في آسيا وأوروبا نتيجة اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.

أما إيران فقد تحملت هي الأخرى كلفة اقتصادية باهظة نتيجة العقوبات والحصار وتراجع الاستثمارات الأجنبية وتقييد صادرات النفط والتحويلات المالية. لكن هذه الضغوط لم تؤدِ إلى انهيار الدولة كما كان متوقعاً، بل دفعتها إلى البحث عن بدائل اقتصادية وتعزيز التصنيع المحلي والانفتاح على أسواق جديدة.

واليوم، ومع الحديث عن تفاهمات أو اتفاقات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، تترقب المنطقة مرحلة مختلفة قد تحمل انعكاسات مهمة على الاقتصاد والأمن الإقليمي. فرفع العقوبات أو تخفيفها عن إيران يعني زيادة صادراتها النفطية وعودة الاستثمارات الأجنبية وتحسين علاقاتها الاقتصادية مع العالم. كما يعني تهدئة التوترات في الخليج وتقليل احتمالات إغلاق مضيق هرمز أو استهداف الممرات البحرية.

وبالنسبة للعراق، فإن أي استقرار في العلاقات الأمريكية الإيرانية يمثل فرصة مهمة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والأمني، وجذب الاستثمارات، وضمان استمرار صادرات النفط بعيداً عن مخاطر الأزمات العسكرية. كما أن تراجع التوتر الإقليمي قد يمنح بغداد مساحة أوسع لممارسة دورها كجسر للتفاهم بدلاً من أن تكون ساحة للصراع.

لقد أثبتت العقود الماضية أن الحروب والعقوبات والصراعات لم تنتج سوى الخسائر للشعوب، بينما بقي المواطن البسيط في العراق وإيران ودول المنطقة هو المتضرر الأول من الأزمات السياسية. فالأموال التي أنفقت على الحروب كان يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات وجامعات ومشاريع تنموية توفر فرص العمل لملايين الشباب.

إن انتهاء الصراع الأمريكي الإيراني أو انتقاله من المواجهة إلى التفاهم لن يكون انتصاراً لطرف على حساب آخر، بل قد يكون انتصاراً للمنطقة بأسرها إذا أُحسن استثماره في تحقيق الاستقرار والتنمية والتعاون الاقتصادي. ويبقى السؤال مفتوحاً: كم خسرت شعوب الشرق الأوسط بسبب الصراعات السياسية؟ وكم كان يمكن أن تحقق من التقدم لو أن مواردها وطاقاتها وُجهت نحو البناء بدلاً من المواجهة؟