110 أعوام على سايكس-بيكو: جراح التقسيم، وتحولات الحاضر، وأفق الحلم الكوردي
مرّ السادس عشر من أيار ومعه ذكراه العاشرة بعد المئة؛ قرن وعقد من الزمان على تلك الغرفة المغلقة التي اجتمع فيها الدبلوماسيان، البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو، ليرسما بأقلامهما الهندسية مصائر شعوب وثقافات بأكملها.
واللافت في هذه المحطة الزمنية الفارقة، هو ذلك الغياب الملحوظ للاهتمام الإعلامي الذي يليق بضخامتها، وخاصة من الجانب الكوردي؛ إذ مرت الذكرى في هدوء وصمت نسبيين، رغم كونها تمثل واحداً من أشد المنعطفات التاريخية قساوة، واللبنة الأولى التي أسهمت بشكل مباشر في تشكيل الواقع الكوردي الأليم وهندسة جراحه الممتدة.
لم تكن اتفاقية سايكس-بيكو (1916) مجرد تفاهم سري لتقاسم النفوذ بين إمبراطوريتين استعماريتين، بل كانت زلزالاً جيوسياسياً نسف الجغرافيا الطبيعية للمنطقة، وخلّف وراءه خطوطاً حدودية مصطنعة تحولت مع مرور العقود إلى حقول ألغام سياسية واجتماعية لا تزال تنفجر حتى يومنا هذا.
المسار التاريخي: من الطعنة السرية إلى لوزان المثبتة
بدأ مسار الاتفاقية بخديعة كبرى تزامنت مع الثورة البلشفية عام 1917 التي فضحت الأوراق السرية، لتجد الشعوب التي قاتلت من أجل تحررها نفسها تحت وطأة استعمار جديد مُقنّع باسم "الانتداب" والذي أقرّه مؤتمر سان ريمو عام 1920؛ وفي خضم هذا التقاسم البراغماتي، كان الشعب الكوردي هو الضحية الأكبر لهذه الهندسة القسرية.
ورغم أن "معاهدة سيفر" (1920) كانت ومضة أمل عابر يعترف بحق الكورد في تقرير المصير، إلا أن توازنات القوى وصعود الجمهورية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك سرعان ما بدّدا هذا الوميض.
وجاءت "معاهدة لوزان" (1923) بمثابة المسمار الأخير في نعش الوعود الدولية، مكرسة تقسيم كوردستان بين أربع دول محدثة ومركزية: تركيا، العراق، سوريا، وإيران؛ هذا التقسيم القسري لم يحطم حلم الدولة المستقلة فحسب، بل أدخل الشعب الكوردي في دوامة عقود من إنكار الهوية، والصهر القومي، والمواجهات الدامية لحماية وجوده وثقافته.
ردود الفعل الكوردية: قرن من المقاومة والبحث عن الكيان
لم يستسلم الوجدان الكوردي لواقع التجزئة؛ إذ تُرجم الرفض الشعبي فورا إلى حراك مسلح وسياسي مستمر عبر الأجزاء الأربعة.. فمن ثورات الشيخ محمود الحفيد في السليمانية ومقاومته للانتداب البريطاني، مرورا بانتفاضات وثورات بارزان وانتفاضات الشيخ سعيد بيران، وآرارات، وديرسيم في كوردستان الشمالية (تركيا)، وصولا إلى المحطة التاريخية الأبرز المتمثلة في ولادة "جمهورية مهاباد" (1946) في إيران برئاسة القاضي محمد.
ورغم أن تلك الجمهورية لم تعش سوى أحد عشر شهرا نتيجة التكالب الإقليمي والانسحاب السوفيتي، إلا أنها رسخت في الوعي الجمعي الكوردي حقيقة أن الحلم دولة قابلة للحياة، متى ما توافرت الظروف الدولية والوحدة الداخلية.
الواقع الراهن: التطورات المتلاحقة وإعادة تشكيل المشهد
اليوم، وفي ظل الشرق الأوسط المضطرب والمتحول، لم تعد معادلة سايكس-بيكو بذات الصلابة التي كانت عليها في القرن الماضي.. فقد أثبتت العقود الأخيرة أن الحدود التي رُسمت بمسامير الاستعمار لم تنجح في صهر الهويات الأصيلة؛ ففي العراق، استطاع الكورد بعد تضحيات جسام تثبيت كيان دستوري معترف به متمثلا في "إقليم كوردستان" عقب عام 2003، والذي بات يمتلك مؤسساته السياسية، والاقتصادية، والعسكرية (البيشمركة).
وفي سوريا، أفرزت الأزمة المستمرة منذ عام 2011 واقعا جديدا تمثل في "الإدارة الذاتية" لشمال وشرق سوريا، مما يعكس مرونة وقدرة الكورد على إدارة مناطقهم في أوقات الفراغ الإستراتيجي للدول المركزية.
الآفاق المستقبلية: هل يقترب الحلم الكوردي من التجسد؟
أمام هذه التطورات المتلاحقة، يبرز التساؤل الجوهري: هل يمكن تحقيق الحلم الكوردي في تشكيل دولة مستقلة في المدى المنظور؟
الجواب على هذا التساؤل يتأرجح بين قراءة الواقعية السياسية وبين الإرادة القومية المستمرة. إن تحقيق حلم الدولة الكوردية المستقلة يواجه معادلة معقدة تتطلب تفكيك ثلاثة عوائق رئيسية وبناء رافعتين أساسيتين:
الفيتو الإقليمي المشترك: رغم الخلافات العميقة بين الدول الأربع التي تقاسمت كوردستان، إلا أنها تلتقي تاريخيا وبشكل تلقائي عند نقطة واحدة: الرفض المطلق لقيام دولة كوردية مستقلة، خوفا من تأثير أحجار الدومينو الذي قد يهدد تماسك حدودها الداخلية.
المصالح الدولية المتذبذبة: أثبتت التجربة التاريخية أن القوى العظمى (كالولايات المتحدة وروسيا) تتعامل مع الملف الكوردي كشريك تكتيكي في ملفات محددة (مثل محاربة الإرهاب) وليس كحليف إستراتيجي لتقرير المصير، مما يجعل الدعم الدولي متغيرا وغير مضمون.
الحاجة إلى التماسك الداخلي: يبقى العائق الذاتي متمثلا في الانقسامات الحزبية والإقليمية، والافتقار إلى إستراتيجية قومية موحدة تجمع الأجزاء المختلفة أو حتى القوى السياسية داخل الإقليم الواحد.
وفي المقابل، فإن الآفاق المستقبلية تعتمد على التحولات الهيكلية للنظام الدولي والإقليمي؛ فكلما ضعفت الدول المركزية أو عجزت عن تقديم نموذج مواطنة عادل يستوعب التعددية، كلما زادت مشروعية وموضوعية الطرح الاستقلالي الكوردي. علاوة على ذلك، فإن تنامي الوعي الدبلوماسي الكوردي، والاعتماد على الذات اقتصاديا، وبناء مؤسسات حكم رشيد خالية من الفساد والنزاعات الحزبية، هي الأدوات الحقيقية التي يمكن أن تحول كوردستان من "قضية تحررية" إلى "أمر واقع" يفرض نفسه على الخارطة الدولية.
إن ذكرى سايكس-بيكو اليوم ليست مجرد بكاء على أطلال التاريخ، بل هي وقفة لمراجعة المسار؛ لقد تحطم الحلم الكوردي جغرافيا عام 1916، لكنه يعاد صياغته سياسيا ومؤسساتيا اليوم.. قد لا تلوح في الأفق القريب جغرافيا جديدة تمسح حدود لوزان بضربة واحدة، إلا أن الهوية الكوردية أثبتت أنها أقوى من الخطوط التي رسمها مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، وأن قطار التاريخ، وإن تباطأ، فإنه يسير نحو إنصاف الشعوب التي رفضت أن تموت في غياهب النسيان.