شفق نيوز- بابل
بعد سنوات من الجفاف الشديد التي ضربت العراق تحديداً منذ العام 2020 لتبلغ ذروتها في العام 2024 حيث انخفضت مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات إلى مستويات خطيرة، جاء الموسم الشتوي 2025-2026 بوفرة من الأمطار والثلوج والإطلاقات المائية من تركيا لتنتعش معه آمال إحياء الزراعة ورعي المواشي وتربيتها بالإضافة إلى مهن أخرى مرتبطة بالماء.
عدسة وكالة شفق نيوز رصدت ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب مياه نهر الفرات في محافظة بابل، وهي تقريباً متوسط المسافة التي يقطعها هذا النهر في الأراضي العراقية، وبلقطات من الأرض والجو بدا مجرى الفرات في ناحية الكفل جنوبي بابل أكثر انتعاشاً من سنوات العطش التي مرت به.
ومع ارتفاع منسوب المياه عاد الصيادون لاصطياد السمك بنشاط، كما عادت الحياة لمهن أخرى كادت أن تندثر بسبب الجفاف، وأبرزها الزراعة التي تمثل عصب الاقتصاد لأهالي الكفل، وكذلك تحسنت المراعي بشكل جيد لرعي المواشي.
كما وجد الشباب في مياه نهر الفرات فرصة لتبريد أجسادهم بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة والتي عادة ما يرافقها انخفاض في تجهيز التيار الكهربائي.
ووفقاً لتصريحات الجهات المعنية فإن الإطلاقات المائية ضمن مجرى الفرات خلال الفترة الأخيرة، كانت جيدة وتشجع على تنشيط القطاع الزراعي وغيره.
يشار إلى أن سنوات الجفاف الماضية انعكست بشكل خطير على مختلف القطاعات المرتبطة بالمياه، فبالإضافة إلى تراجع النشاط الزراعي بشكل كبير، كذلك أدى جفاف الأنهر الفرعية ومساحات شاسعة من الأهوار والمسطحات المائية في وسط وجنوب العراق إلى هجرة جماعية لمربي المواشي وخصوصاً الجاموس الذي يرتبط وجوده بالماء.
وانعكس ذلك على مهنة مرتبطة بالجاموس والأبقار حيث انخفض إنتاج الحليب ومشتقاته كالألبان والأجبان والقيمر "القشطة"، وكذلك بعض الصناعات التي يعد القصب مادتها الأساسية.
تجدر الإشارة إلى أن نهر الفرات شهد ارتفاعات كبيرة في مناسيب المياه خلال الشهر الماضي في الأراضي السورية والعراقية التي يمر بها، وفي بعض المدن والمحافظات تم إعلان حالة الاستنفار تحسباً لموجات فيضانية.
وعلى خلفية ذلك أصدرت وزارة الموارد المائية العراقية في 25 آيار/ مايو الماضي، بياناً نفت فيه تسجيل أي ارتفاع مفاجئ أو غير اعتيادي في مناسيب نهر الفرات.
وقالت الوزارة في البيان الذي ورد لوكالة شفق نيوز، في حينها، إن الوزير مثنى التميمي وجه الملاكات الفنية والتشغيلية إلى استنفار جهودها لاستقبال الموجات المائية، والعمل على استثمار المياه المتدفقة الواردة ضمن حوض الفرات.
وأضافت، أن التنسيق مستمر مع الجانب السوري بهذا الشأن لمتابعة تطورات الإطلاقات المائية والمناسيب بشكل متواصل.
وأشارت الوزارة إلى أن أي زيادة متوقعة في الإطلاقات المائية سيتم استثمارها بصورة مثلى لتعزيز الخزين المائي، وخصوصاً في سد حديثة، بعد ما عاناه الموسم الماضي من تدنٍ في مستويات الخزين المائي المتحقق، إضافةً إلى تأمين التجهيزات المائية اللازمة للخطة الصيفية، ولكافة المتطلبات والاستخدامات المختلفة.
غير أن مراسلة وكالة شفق نيوز في سوريا، أكد في 29 آيار/ مايو الماضي، أن مدينة دير الزور المتاخمة مع الحدود العراقية، شهدت موجة نزوح داخلي ترافقت مع أوضاع إنسانية صعبة جراء الموجة الفيضانية في نهر الفرات حيث غمرت المياه العديد من المنازل وتسببت بتعطل محطات مياه الشرب، ما دفع إلى تحرك عاجل من حكومة دمشق.
وأفادت مراسلتنا بأن الوضع الإنساني يزداد صعوبة في دير الزور وريفها، مع التدفق المتزايد للمياه جراء ارتفاع منسوب نهر الفرات، الأمر الذي أدى إلى غمر منازل وأرزاق العديد من العائلات ودفعها للنزوح، إضافة إلى توقف مواقع حيوية، من بينها محطات المياه.
وأشارت إلى أن ارتفاع منسوب المياه تسبب أيضاً بغمر مساحات واسعة من محاصيل القمح والشعير، فضلاً عن تضرر الأشجار المثمرة الممتدة على ضفاف نهر الفرات.
كما لفتت مراسلة الوكالة، إلى أن الأضرار امتدت إلى مزارع الأسماك، ما ألحق خسائر كبيرة بها، إلى جانب توقف محطة "طاوي رمان" الخاصة بالري نتيجة غمرها بالمياه.
وعلى خلفية ذلك، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى دير الزور، اليوم الجمعة للاطلاع على واقع المحافظة والاحتياجات الإنسانية في ظل ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات.
وبالتزامن مع زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى المحافظة، شهدت أجواء دير الزور تحليقاً للطيران المروحي وانتشاراً أمنياً مكثفاً.
وفي السياق، أعلنت لجنة الطوارئ وإدارة الكوارث في محافظة دير الزور، يوم أمس الخميس، عن إخلاء فوري لمنطقتي حويجة صكر وحويجة كاطع.
ودعت اللجنة جميع الأهالي إلى التعاون مع الجهات المعنية والالتزام بالتعليمات الصادرة، حرصاً على سلامة الجميع وحماية الأرواح والممتلكات.
يأتي هذا القرار في ظل استمرار ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات، وسط استنفار فرق الطوارئ وتنفيذ أعمال تدعيم للسواتر الترابية ومحطات المياه والجسور المتضررة في دير الزور والرقة.
من جهتها، أصدرت وزارة الطوارئ والكوارث السورية تقريراً كشفت فيه حجم الاستجابة لارتفاع منسوب مياه نهر الفرات في محافظتي الرقة ودير الزور خلال يومي 26 و27 من شهر أيار/ مايو الجاري.
وأشارت الوزارة إلى استنفار فرقها بشكل كامل لمواجهة تداعيات الفيضانات وحماية الأهالي والبنية التحتية.
وعقب الاستنفار السوري، أعلنت الدوائر الخدمية والأمنية في قضاء القائم غربي محافظة الأنبار العراقية في 30 آيار/ مايو الماضي، حالة الاستنفار التام على خلفية ورود معلومات عن إطلاق كميات كبيرة من المياه من سد الطبقة في سوريا وتسببه بارتفاع في مناسيب نهر الفرات.
وقال قائممقام قضاء القائم تركي محمد، لوكالة شفق نيوز، إن الفرق المشتركة اطلعت على واقع السدود الواقية المقامة على ضفاف النهر، وتم رصد بعض المناطق الضعيفة ومعالجتها بشكل فوري.
وأضاف تركي، أن المعالجات شملت تقوية السواتر الترابية في المواقع الحساسة، عبر إضافة كميات كبيرة من الأتربة وبمشاركة آليات بلدية القائم، إلى جانب بلديتي عنه وراوة، مؤكداً اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية اللازمة لمواجهة أي تدفقات مائية محتملة.
وفي اليوم نفسه، أكد رئيس مركز الفرات البيئي، صميم سلام أبو فرات، خروج إحدى محطات الإسالة في قضاء القائم غربي الأنبار عن الخدمة، قبل أن يتحدث قائممقائم القضاء عن عودتها إلى العمل بعد اتخاذ إجراءات فنية.
وقال أبو فرات لوكالة شفق نيوز، إن "محطة ماء إسالة الباغوز الواقعة عند أقصى الحدود العراقية ـ السورية خرجت عن الخدمة نتيجة ارتفاع مناسيب نهر الفرات وزيادة الإطلاقات المائية الواردة من الجانب التركي".
من جانبه، أكد قائممقام قضاء القائم، تركي محمد، أن المحطة ما زالت مستمرة بالعمل رغم وصول المياه إلى هيكل السحب، مشيراً إلى أن الجهات المعنية اتخذت إجراءات فنية للحفاظ على استمرارية التشغيل.
وقال تركي لوكالة شفق نيوز إن "الماء وصل إلى هيكل السحب، لكن المحطة ما زالت تعمل لأننا رفعنا المضخات"، مبيناً أن "الملاكات الفنية تتابع تطورات الوضع المائي بشكل مستمر".