شفق نيوز/ طرحت دراسة أوروبية مظاهر الخلل في سياسة واداء الاتحاد الأوروبي في التعامل مع الأزمة السورية بجوانبها السياسية والعسكرية والإنسانية المتمثل بقضية اللاجئين، حيث انه برغم تحمله الجزء الأكبر من تكاليف ازمة اللاجئين الا انه لم يتمكن من المساهمة في حل النزاع، فيما لا يزال خطر الإرهاب وعدم الاستقرار قائما، وهو ما يضعف قيمة الاتحاد كلاعب اقليمي وعالمي.

وذكر الاتحاد الأوروبي في تقرير على موقعه الالكتروني، وترجمته وكالة شفق نيوز، بداية اندلاع الأزمة السورية بين المتظاهرين وبين نظام الرئيس بشار الأسد، بينما تحول الصراع بحلول العام 2012، الى حرب أهلية كاملة، استقطبت قوات اقليمية وخارجية، حيث تلقى نظام الاسد الدعم من ايران وروسيا وبشكل غير مباشر من الصين، بينما حصل المعارضون المسلحون، ولاحقا "قوات سوريا الديمقراطية" على دعم من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا، في حين شهدت البلاد صراعا طائفيا شرسا بين القوى بقيادة ايران والمعسكر السني المدعوم من السعودية وتركيا وقطر. بقدر ما يتعلق الامر بالحرب ضد الارهاب.

وتابع التقرير الاوروبي ان المحاولات السلمية من قبل الجهات الفاعلة المؤسسية، مثل الجهود المبذولة من عملية جنيف التي تقودها الامم المتحدة بناء على قرار مجلس الامن رقم 2254 او مسار عملية استانا التي تضم روسيا وايران وتركيا، لم تحقق التقدم نحو تسوية سياسية للصراع، واصبح النزاع الذي بدأ بالمظاهرات ضد النظام السوري، حربا اهلية بابعاد اقليمية ودولية.

اما بالنسبة الى الاتحاد الاوروبي تحديدا، فقد ذكر التقرير انه في بداية الازمة، فان الكتلة الاوروبية شكلت جبهة موحدة ضد القيادة القمعية للاسد، بما في ذلك فرض عقوبات صارمة على النظام، وبرغم ذلك فان الاتحاد الاوروبي فشل في التوصل الى سياسة خارجية وامنية مشتركة حقيقية، مضيفا ان انخراط الاتحاد الاوروبي في سوريا، تأرجح بين المشاركة البناءة مع النظام السوري وبين تهميشه.

وتابع التقرير انه بالاضافة الى ذلك، فان ازمة اللاجئين التي اثارتها الحرب الاهلية السورية، كشفت عن الخلل الداخلي للاتحاد الاوروبي.

واستعرض التقرير حجم ازمة النزوح السوري، وقال ان موجات اللاجئين الهائلة من سوريا تؤدي الى تفاقم الظروف الاقتصادية والاجتماعية لجيران سوريا واوروبا نفسها، مشيرا الى انه بحسب تقارير منظمات تابعة للامم المتحدة، هناك اكثر من 5.5 مليون لاجئ سوري في جميع انحاء المنطقة، سواء فروا من وحشية النظام او او داعش، بحثا عن الامان في لبنان وتركيا والاردن وخارجها. كما ان هناك نزوح لحوالي 6.2 مليون شخص داخل سوريا اعتبارا من العام 2021، وهو اكبر عدد من النازحين داخليا في العالم.

كما نقل عن تقرير للمجلس الاوروبي حول الصراع في سوريا، قوله بانه "اكبر كارثة انسانية في العالم، لا مثيل لها في التاريخ الحديث".

تأثير اللاجئين على اوروبا

وذكر التقرير ان الشرق الاوسط شهد خلال العقدين الماضيين، هجرة قسرية دراماتيكية، مشيرا الى ان الحرب في سوريا وحدها انتجت احد اكبر حصة لاجئي الشرق الاوسط. وتابع ان الملايين فروا من الحروب خصوصا في ليبيا والعراق وافغانستان والصومال والسودان واليمن، بينما برزت دول شمال افريقيا وتركيا كمراكز اساسية لعبور اللاجئين نحو اوروبا.

وبحسب التقرير، فانه في العام 2015، عندما كانت هناك ذروة في ازمة اللاجئين في الاتحاد الاوروبي، كانت دول اللاجئين والمهاجرين الذين وصلوا الى اليونان هي سوريا (57٪)، تليها افغانستان (22٪) والعراق (5٪). اما الذين هاجروا نحو ايطاليا فقد كانوا من اريتريا (25%) ونيجيريا (10%) والصومال (10%) ، تليها سوريا (7 %) وغامبيا (6 %).

والى جانب ذلك، فقد تقدم 1.3 مليون مهاجر بطلب للحصول على اللجوء في الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي وبريطانيا (التي كانت عضوا في الاتحاد الاوروبي في ذلك الوقت) والنرويج وسويسرا في العام 2015. وفي العام نفسه، وصل عدد اللاجئين من سوريا الى 378 الف شخص وهو ما يمثل 29 % من جميع طالبي اللجوء في اوروبا، وهي اعلى نسبة من اي دولة.

كما بقيت اكبر مجموعة من المستفيدين من وضع الحماية في الاتحاد الاوروبي في العام 2015 من المواطنين من سوريا (166.100 شخص ، او 50 % من اجمالي عدد الاشخاص الذين تم منحهم وضع الحماية في الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي.

الى ذلك، اعتبر التقرير ان الهجرة تشكل تحديات كبيرة للمجتمعات الاوروبية حتى الان واثارت مخاوف جدية بشأن تأثيرها الاقتصادي والمالي على المدى المتوسط والطويل، والتحدي بتأثيرها على تفكك الاتحاد حيث من المعتقد ان "ازمة الهجرة تهدد العديد من الاسس والقواعد التي تم بناء التكامل الاوروبي عليها".

واوضح التقرير انه فيما استجاب الاتحاد الاوروبي لأزمة اللاجئين السوريين باستخدام السلطة المخولة له من قبل الدول الاعضاء فيه، الا ان سياسة الاتحاد لم تتطابق دائما مع الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالدول الاعضاء فيه، ونتيجة لذلك الوحدة تعرضت للتهديد، وتم التشكيك في مصداقية الاتحاد الاوروبي.

وحول استجابة الاتحاد لازمة اللاجئين، قال التقرير يفعل تدابير تتعلق باللجوء والهجرة والحدود والشرطة والتعاون القضائي، واقام الاتحاد نظام اللجوء الاوروبي المشترك وأنشأ شبكة الهجرة الاوروبية، وسعى الى تعزيز الازدهار والاستقرار في دول الجوار الاوروبي، كما استخدم اطار عمل سياسته الامنية والدفاعية المشتركة، لتنفيذ السياسات الانسانية وعمليات الانقاذ.

وبرغم ذلك، قال التقرير انه كان يتحتم على الاتحاد ان يضع نهجا شاملا لتحسين ادارة الهجرة من جميع جوانبها، الا انه ركز في خطته على ثلاث جبهات: العمل على حدود الاتحاد الاوروبي، من خلال انقاذ الارواح وتأمين حدود الاتحاد؛ والعمل داخل الاتحاد الأوروبي من خلال تطوير سياسة جديدة بشان الهجرة القانونية، واعادة توطين اللاجئين في دول اعضاء في الاتحاد وتعزيز سياسة اللجوء المشتركة ؛ والعمل الخارجي من خلال الحد من دوافع الهجرة غير النظامية، بالاضافة الى مساعدة اللاجئين اينما كانوا، واعادة توطينهم عندما يكون ذلك ممكنا.

وفي هذا الاطارن اطلق الاتحاد خفر السواحل الاوروبي في العام 2016لضمان قدرة اوروبا على حماية حدودها الخارجية المشتركة ومواجهة تحديات الهجرة والامن الجديدة بطريقة موحدة. كما عزز الاتحاد الاوروبي دور "اليوروبول" وكذلك دور "يوروجست"، وفعل العديد من البرامج والهيئات للتعامل مع التحديات التي تثيرها ازمة اللاجئين.

ولفت التقرير الى ان الاتحاد الاوروبي وقع في 18 مارس/اذار 2016، اتفاقية مثيرة للجدل مع تركيا، هدفها وقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين عبر تركيا الى اوروبا، حيث يتحتم اعادة المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون الى الجزر اليونانية الى تركيا، ووافق الاتحاد الاوروبي على تقليل قيود التأشيرات للمواطنين الاتراك، وتحديث الاتحاد الجمركي، واعادة تنشيط عملية الانضمام وتقديم 6 مليارات يورو كمساعدات مالية.

وتم ايضا تحديد تمويل في الاتحاد الاوروبي لسياسات الهجرة واللجوء والاندماج في الميزانية، حيث تم تخصيص 10 مليارات يورو لادارة الهجرة واللجوء في 2014-2020. وارتفع هذا المبلغ الى 22.7 مليار يورو للفترة 2021-2027.

لكن التقرير اعتبر انه لم يكن هناك نهج مشتركا لهذه التحديات المشتركة حيث واصل الاتحاد الاوروبي التخبط خلال الازمة. وتابع ان الاحزاب الشعبوية والمتطرفة الخطيرة في الدول الاوروبية، سرعان ما راحت تستغل افتقار الاتحاد الاوروبي الى التماسك والاستجابات الضعيفة اللاحقة للازمة.

واوضح التقرير في وقت كانت فيه أوروبا تخرج من اسوأ ازمة اقتصادية في فترة ما بعد الحرب، فان سلسلة من الاحزاب اليمينية المتطرفة اغتنمت الفرصة لاستغلال الاستياء الشعبي العام وبناء خطاب "غير واقعي" ضد التحدي الذي يمثله اللاجئون، من اجل اكتساب المزيد من القوة، وهو ما حصل في اليونان، والنمسا والمانيا وايطاليا والمجر، وهو صعود تسبب "بالمزيد من الضغوط السلبية على الحكومات الوطنية في الاتحاد الاوروبي، مما جعل من الصعب على الاتحاد العمل بشكل موحد".

وبالاضافة الى ذلك، ذكر التقرير انه في الحرب الاهلية السورية، كانت هناك وحدة في عمل الاتحاد الاوروبي في تقديم المساعدات الانسانية، ولكن كان هناك ايضا انقسام في صناعة السياسة الخارجية للاوروبيين.

واشار التقرير الى انه تم اتخاذ خطوات تتعلق بتقديم المساعدة الانسانية للشعب السوري، وكذلك للدول المضيفة المجاورة، حيث قدم الاتحاد الأوروبي والدول الاعضاء فيه اكثر من 17 مليار يورو كمساعدات منذ بداية الصراع لمساعدة الذين فروا من الحرب داخل سوريا وخارجها. وتابع ان الاتحاد الاوروبي ركز على مساعدة الدول المجاورة لسوريا بما في ذلك من خلال برنامج التنمية والحماية الاقليمي للاجئين والمجتمعات المضيفة في لبنان والاردن والعراق.

والى جانب عقد سلسلة من مؤتمرات بروكسل حول دعم مستقبل سوريا والمنطقة، قال التقرير انه فيما يتعلق بصناعة السياسة الخارجية للاتحاد في سوريا، قبل الانتفاضة السورية العام 2011 ، فقد كان هناك اعتماد على سياسة المشاركة البناءة، وانه برغم عدم وجود اتفاقية شراكة اوروبية مع سوريا، الا ان دمشق كانت شريكا في عملية برشلونة للعام 1995 التي تستهدف خلق منطقة ازدهار مشترك بين الاتحاد الاوروبي ودول البحر المتوسط في الضفة الجنوبية.

ولفت التقرير الى انه بعد التدخل الخارجي الدراماتيكي في العراق العام 2003 ، اصبح الاوروبيون اكثر قناعة بان الانخراط الدبلوماسي افضل بكثير من التدخل العسكري في المنطقة، وان الحوار المرتبط بالتنمية الاقتصادية يمكن ان يساهم بشكل تدريجي في المزيد من المساءلة الديمقراطية من قبل الحكومة السورية، الا ان الانتفاضة السورية ضد الحكومة، وضعت حدا لهذا الانخراط البناء.

ولاحقا، قال التقرير انه تم تحديد استراتيجية تأخذ بالاعتبار التهديد الارهابي الذي يمثله داعش والجماعات الارهابية الاخرى في سوريا، وهو ما كان يشكل تحديات خطيرة ليس فقط على الاستقرار الداخلي لسوريا، وانما ايضا للمنطقة الاوسع والمجتمع الدولي. وتابع انه جرى وضع الاستراتيجية الاقليمية لسوريا لدعم جهود التحالف الدولي لمواجهة داعش، والعمل من اجل الحد من تدفق المقاتلين الارهابيين الاجانب والاموال والاسلحة الى داعش؛ والحد من التداعيات الاقليمية وتعزيز امن الحدود؛ وتقديم المساعدات الانسانية والحماية الدولية للمتضررين.

وتابع التقرير ان تهديد داعش، بالاضافة الى ازمة اللاجئين، اثارت مواقف سياسية مختلفة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي، مما جعل صوت الاتحاد الاوروبي يظهر ضعيفا ومنقسما في مواجهة واحدة من اكبر الكوارث الانسانية في العالم.

وعلى سبيل المثال، كانت دول، مثل المانيا والسويد، منفتحة على قبول اللاجئين في بداية الازمة، بينما رفضت دول اخرى، مثل الدنمارك والمجر وبولندا، دخول اللاجئين منذ البداية. كما ظهرت الانقسامات الاوروبية في التباين حول حظر الاسلحة المفروض على المعارضة المسلحة، فبينما سعت فرنسا وبريطانيا الى انهاء حظر الأسلحة المفروض على المتمردين في ربيع العام 2013 بناء على حجج انسانية، كانت العديد من الدول الاخرى، بما في ذلك جمهورية التشيك وهولندا والسويد، اكثر تشككا.

الاستنتاجات

وخلص التقرير في استنتاجاته الى القول ان الدراما السورية والنزوح الجماعي الذي اثارته، وقعت في وقت كان فيه الاتحاد الاوروبي يواجه بالفعل مجموعة من التحديات الضخمة، وعدم الاستقرار المالي، وعدم اليقين المرتبط بخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وصعود الاحزاب الشعبوية المتطرفة داخل العديد من الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي، جنبا الى جنب مع الصراعات الإقليمية، واستمرار الصراع، والتهديد الذي يمثله الارهاب.

وبشكل عام، قال التقرير انه تم اتخاذ بعض الخطوات المهمة نحو ادارة اختبار اللاجئين والهجرة، من خلال تعزيز مؤسساته وادواته وادخال بعض المفاهيم الجديدة، الا ان مؤسسات الاتحاد لم تكتسب سلطات صنع القرار المستقلة، مما قد يسمح لها بالحد من الصراع بين الحكومات والضغوط الوطنية العابرة.

كما اعتبر التقرير ان الاتحاد الاوروبي قدم مساعدات انسانية حاسمة للسوريين داخل وخارج البلاد، وفرض تدابير مثل العقوبات لتقويض نظام الاسد، وبرغم ذلك لم تثبت هذه الاستراتيجية انها كافية، حيث لم يلعب الاتحاد دورا حاسما في حل النزاع حتى الان.

ورأى التقرير ان المفارقة هي ان الاتحاد الاوروبي يتعامل مع جزء كبير من ازمة اللاجئين، بعد ان تحمل معظم التكاليف الانسانية، ويعاني من التطرف المتصاعد، الى جانب تهديد الارهاب وعدم الاستقرار. ومع ذلك ، لم تتمكن من حل الصراع الذي يخلق هذه المشاكل. بالاضافة الى ذلك ، فان عدم وجود موقف مشترك تجاه الازمة من قبل الدول الاعضاء وتعقيد سياسات الاتحاد الاوروبي نفسها ، كلها تقلل من قيمة الاتحاد الاوروبي كلاعب اقليمي وعالمي جدير بالثقة.

وخلص الى القول ان التحديات الأمنية الرئيسية حاليا مثل الديموغرافيا والتغيير المناخي وحقوق الانسان والاوبئة، تؤثر على سياسات الاتحاد الاوروبي، مضيفا انه يتحتم عىلى الدول الاعضاء ان تعالج هذه الاسئلة بطريقة منسقة وليس بمعزل عن غيرها. الا ان التقرير اكد ان المزيد من الاندماج وليس الانقسام، هو ما يمثل المفتاح لمواجهة ازمة اللاجئين والحرب الأهلية السورية. وقال التقرير "انها في الاساس مسألة امنية ولا يوجد شيء جديد في ان الارتباط بين الازمة والامن والتكامل كان في قلب المشروع الاوروبي منذ نشأته".