شفق نيوز- بغداد/ لندن

22 يوماً فقط تفصل العراق عن 30 أيلول/ سبتمبر الجاري، الموعد الذي حددته الحكومة لإنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي، في وقت لا تزال فيه قضية حصر السلاح بيد الدولة عالقة بين مواقف الفصائل المسلحة وشروطها، وبين ضغوط سياسية متزايدة لتنفيذ مبدأ احتكار الدولة للقوة.

وفي أحدث موقف، أكدت "كتائب سيد الشهداء" إحدى الفصائل المسلحة بالعراق بزعامة أبو آلاء الولائي أن ملف حصر السلاح لا يمكن فصله عن تحقيق ما وصفته بـ"السيادة الكاملة" للعراق.

وشددت الكتائب على لسان متحدثها كاظم الفرطوسي، لوكالة شفق نيوز، على أن المبدأ الذي تطرحه الفصائل يقوم على معادلة "السلاح مقابل السيادة"، وأن التخلي عن السلاح لن يكون مطروحاً قبل ضمان حماية الأراضي والأجواء والقرار السياسي والاستقلال الاقتصادي للعراق.

تمديد المهلة

وفي مقابل المواقف المتشددة لبعض الفصائل، يرى فهد الجبوري، القيادي في تيار الحكمة المنضوي ضمن الإطار التنسيقي، أن حصر السلاح بيد الدولة مبدأ محسوم سياسياً، لكن تنفيذه يحتاج إلى فترة أطول من المهلة المحددة.

ويقول الجبوري لوكالة شفق نيوز، إن الملف "معقد ومركب" ويحتاج إلى وقت أطول، كاشفاً عن وجود وثيقة يُتوقع توقيعها خلال الفترة المقبلة تتضمن آلية لرسم مسار عملي لحصر السلاح بيد الدولة، واصفاً ذلك بأنه شبه اتفاق سياسي بين الحكومة والفصائل والإطار التنسيقي.

وبحسب الجبوري، فإن التنفيذ لن ينتهي في 30 أيلول/ سبتمبر الجاري، بل قد يمتد حتى نهاية العام، على أن يكون 30 أيلول/ سبتمبر نقطة بداية لهذا المسار.

ويعتبر أن التصريحات المتشنجة الصادرة عن بعض الأطراف لا تعكس بالضرورة طبيعة التفاهمات الجارية، قائلاً إن هناك لجنة داخل الإطار التنسيقي توصلت إلى تفاهمات مع القوى والفصائل بشأن بعض الضمانات، بينها الوجود الأجنبي وتنظيم منظومة الدفاع الجوي العراقي.

قانون الحشد أولاً

من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن المؤشرات المتاحة لا توحي بأن الفصائل مستعدة لتسليم سلاحها حتى بعد 30 أيلول/ سبتمبر الجاري، معتبراً أن بعضها قد يتجه إلى تعويق إجراءات الحكومة عبر ربط الملف بتشريعات أخرى.

ويقول الفيلي لوكالة شفق نيوز، إن من أبرز الطروحات الجديدة اشتراط حل أو إعادة تنظيم الفصائل بعد إقرار قانون الحشد الشعبي، وهو قانون لا يزال مثار جدل سياسي، فيما يحتاج تشريعه أو تعديل مواده الخلافية إلى وقت طويل.

وبحسب الفيلي، فإن هذا المسار قد يقود إلى إدماج الفصائل ضمن هيكلة قوات الحشد الشعبي بطريقة تضمن لها نفوذاً وتأثيراً أكبر، بدلاً من إنهاء وجودها العسكري بصورة مباشرة.

وفي المقابل، يرى الفيلي أن 30 أيلول/ سبتمبر الجاري سيحمل رمزية سيادية كبيرة للعراقيين مع اكتمال خروج القوات الأميركية، لكنه سيكون في الوقت نفسه اختباراً جدياً للزيدي في كيفية ترجمة مواقفه إلى خطوات عملية.

ويشير إلى أن بعض القوى داخل ائتلاف "إدارة الدولة" بدأت تميل إلى طرح المفاوضات بدلاً من التصادم، وهو ما قد يعني أن الدعم داخل الإطار التنسيقي لرئيس الوزراء علي الزيدي ليس دعماً عملياً كاملاً بقدر ما هو مساندة سياسية وإعلامية، مع وجود تبدل في المواقف.

ضغوط أميركية متصاعدة

ويعتقد الفيلي أن الولايات المتحدة جعلت 30 أيلول/ سبتمبر فاصلاً مهماً، وأنها قد تتحرك، في حال تعثر الملف، عبر مسارين؛ أولهما فرض عقوبات اقتصادية على العراق، بما قد يفتح المجال أمام ضغوط داخلية على المنظومة السياسية التي يحمّلها جزء من الرأي العام مسؤولية استمرار الفساد وانتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة.

لكنه يحذر من أن الأزمة قد لا تتوقف عند العقوبات الاقتصادية، إذ يمكن أن تتخذ واشنطن أو أطراف أخرى إجراءات عسكرية إذا تصاعدت المواجهة بين أذرع إيران ودول المنطقة، مشيراً إلى أن التطورات المرتبطة بالحوثيين قد تعطي مؤشرات على اتجاه أوسع للتصعيد.

ويخلص الفيلي إلى أن العراق قد يكون أمام أزمة حقيقية إذا لم تُحسم معادلة السلاح والسيادة بطريقة تفاوضية، خصوصاً مع اقتراب الموعد الذي أصبح مرتبطاً في الخطاب السياسي العراقي بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

حدود تحرك الزيدي

لكن أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية هيثم الهيتي يقدم قراءة أكثر تشككاً في قدرة رئيس الوزراء على إحداث تغيير جذري في هذا الملف.

ويقول الهيتي لوكالة شفق نيوز، إن الصورة العامة للزيدي تقوم على أنه جاء لمواجهة القوى المسلحة خارج إطار الدولة والفساد، إلا أن ذلك لا يعني قدرته على الخروج من النظام السياسي الذي أتى به إلى السلطة.

ويضيف أن رئيس الوزراء يستطيع اتخاذ خطوات محدودة، وأن امتلاكه صورة إيجابية لكونه ليس جزءاً تقليدياً من المنظومة السياسية يمنحه مساحة معينة للتحرك، لكن ذلك لا يعني أنه قادر على تنفيذ تغيير جذري في بنية القوى المسلحة.

وبحسب الهيتي، فإن الزيدي جاء بتوافق من النظام السياسي القائم، ولذلك يصعب عليه الدخول في مواجهة مباشرة مع فصائل مرتبطة عضوياً بقوى سياسية نافذة، معتبراً أن ما جرى حتى الآن يمكن وصفه بأنه "مناورات سياسية" لإقناع الولايات المتحدة بوجود تغيير قادم، بينما لا يرى مؤشرات على تغيير حقيقي في بنية النظام.

ويحذر الهيتي من أن العراق قد يصبح جزءاً من مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، سواء عبر ضغوط اقتصادية أو تطورات أمنية، قائلاً في الختام إن المسارات المقبلة تبدو صعبة، ولا توجد إجراءات حكومية واقعية تسمح بحل الفصائل أو تفكيكها بصورة فعلية.