شفق نيوز- بغداد
من لعبة إلى أخرى، ومن مقطع إلى آخر، لا يكاد بعض الأطفال يمنحون أنفسهم وقتاً كافياً للاستمتاع بتجربة واحدة قبل الانتقال إلى غيرها، مشهد لفت انتباه المواطن عبد الله حسن، حين لاحظ أن أطفاله الثلاثة لم يعودوا يصبرون على لعبة في المتنزه، أو حتى على الوقوف في طابور قصير لشراء العصائر.
وبدأ حسن، يبحث عن تفسير لهذا التغير، ليربطه لاحقاً بقضاء أطفاله معظم العطلة الصيفية أمام الهواتف، وهم يتابعون مقاطع الفيديو القصيرة المعروفة بـ"الريلز"، مع قلة خروجهم إلى المتنزهات وممارسة الأنشطة خارج المنزل.
ويقول حسن، لوكالة شفق نيوز، إن أطفاله أصبحوا أكثر ميلاً إلى العزلة، ولا يستقرون على نشاط واحد، كما لم يعودوا يستمتعون باللعب في الخارج، بسبب الوقت الطويل الذي يقضونه أمام شاشات الهواتف.
ويضيف أن استخدام الهاتف انعكس على سلوك أبنائه، إذ باتوا يشعرون بالملل والضجر سريعاً، ولم تعد الألعاب تستحوذ على اهتمامهم كما في السابق، مشيراً إلى أنه لم يتمكن من منعهم من استخدام الهواتف، لأنها أصبحت مصدر الترفيه الأساسي بالنسبة إليهم، وأن حرمانهم منها يجعلهم أكثر عصبية واضطراباً.
ومع بدء العام الدراسي، يحاول حسن، تنظيم أوقات استخدام أطفاله للهواتف وتقليصها إلى أدنى حد ممكن، في محاولة لاستعادة التوازن بين العالم الرقمي والأنشطة اليومية.
ولا تبدو تجربة حسن، معزولة عن قلق أوسع لدى بعض الآباء والأمهات، مع الانتشار المتزايد لمقاطع الفيديو القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي، التي تنتقل بالمستخدم خلال ثوانٍ بين مشاهد ومعلومات ومواقف متباينة، في تدفق متواصل يدفعه إلى متابعة المزيد.
انتباه يتشتت
وتقوم طبيعة مقاطع "الريلز" على السرعة والتنوع والتجدد المستمر، إذ ينتقل المستخدم من محتوى إلى آخر بحركة إصبع واحدة، من دون الحاجة إلى البحث أو الانتظار، وبينما يجد كثيرون في هذه المقاطع وسيلة سهلة للترفيه وتمضية الوقت، تبرز تساؤلات بشأن انعكاس الإفراط في مشاهدتها على التركيز والانتباه، ولا سيما لدى الأطفال والمراهقين.
ويقول المختص في علم الاجتماع حسن حمدان، لوكالة شفق نيوز، إن التعرض المفرط للفيديوهات القصيرة قد يرتبط بالتشتت وضعف التركيز، فضلاً عن صعوبة الاستمرار في متابعة نشاط واحد لفترة طويلة.
ويؤكد أهمية الرقابة الواعية على المحتوى الذي يتابعه الأطفال والمراهقون، إلى جانب دور أولياء الأمور في تنظيم استخدام المنصات الرقمية، مشدداً على ضرورة الاهتمام بطبيعة المحتوى وأسلوبه وأفكاره، بما ينسجم مع القيم الاجتماعية والتربوية.
ولا يقتصر القلق على الوقت الذي تستهلكه هذه المقاطع، بل يمتد إلى طبيعة المحتوى نفسه، وما إذا كان يتيح للمستخدم فرصة للتفكير والتحليل، أم يدفعه إلى الانتقال المتواصل بين مشاهد سريعة من دون التوقف عند مضمونها.
"تعفن الدماغ".. مصطلح يثير القلق
في عام 2024، برز مصطلح "تعفن الدماغ" في النقاشات المتعلقة بالاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي منخفض الجودة أو محدود القيمة الفكرية.
ويُستخدم المصطلح لوصف مخاوف من تراجع النشاط الذهني أو الشعور بالإنهاك الفكري نتيجة الإفراط في استهلاك هذا النوع من المحتوى، لكنه ليس تشخيصاً طبياً معتمداً بحد ذاته.
وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي علاء نجاح، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن المشكلة لا تكمن في كثرة استخدام المنصات الرقمية بحد ذاتها، وإنما في الاستهلاك المفرط للمحتوى السطحي من دون تفكير أو تحليل.
ويوضح أن المستخدم قد يتحول من متلقٍ يتفاعل مع المحتوى ويناقشه إلى مستهلك ينتقل باستمرار بين مقاطع الفيديو القصيرة، الأمر الذي قد يضعف قدرته على التركيز والتقييم النقدي إذا أصبح هذا النمط جزءاً مهيمناً من حياته اليومية.
وبحسب نجاح، فإن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة استخدامها، مشيراً إلى أن الاعتياد على المحتوى السريع قد يجعل بعض المستخدمين أقل صبراً على الأنشطة التي تتطلب وقتاً وجهداً، مثل القراءة والدراسة ومتابعة موضوع واحد بصورة متواصلة.
ويلفت نجاح، إلى أن المراهقين قد يكونون أكثر انجذاباً إلى هذا النوع من المحتوى، بسبب تنوعه وسرعة تجدد مقاطعه، ما يدفعهم إلى الرغبة في مشاهدة المزيد، ويجعل تنظيم وقت الاستخدام ومراقبة نوعية المحتوى ضرورة تربوية.
مطالب الحجب ومسؤولية الأسرة
في المقابل، يدعو بعض أولياء الأمور إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للحد من وصول الأطفال والمراهقين إلى المحتوى الذي يرونه ضاراً.
كما يقول المواطن معتز الطائي، البالغ من العمر 42 عاماً، إن الجهات المعنية مطالبة بالتحرك للحد من انتشار المقاطع التي يعتقد أنها تؤثر سلباً في الأطفال والمراهقين، حتى إن لم تتضمن محتوى يخدش الحياء، مطالباً بوضع ضوابط لاستخدامهم منصات التواصل الاجتماعي.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يعتقد أن مواجهة هذه المشكلة تتطلب تعاون الأسرة والمؤسسات التربوية والجهات المعنية، مشيراً إلى أنه حاول بطرق مختلفة منع أبنائه من متابعة المقاطع القصيرة من دون أن يحقق النتيجة التي يريدها.
ويشير الطائي إلى ملاحظته تراجع النشاط البدني لدى أبنائه، وضعف اهتمامهم بالدراسة، وانخفاض مستوياتهم الدراسية، ما دفعه إلى البحث عن حلول، بينها استشارة الأطباء.
وتعكس هذه الشهادات حجم القلق الذي يعيشه بعض الآباء، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً بشأن الوسائل الأكثر فاعلية: هل يكون الحل في الحجب والمنع، أم في تنظيم الاستخدام وتعزيز الوعي الرقمي، أم في الجمع بين هذه الإجراءات؟
على الجانب الآخر، لا يرى جميع المستخدمين في مقاطع الفيديو القصيرة مشكلة تستدعي القلق، بل يجد بعضهم فيها وسيلة للتسلية والهروب من الملل.
ويتحدث المراهق علي محمد، البالغ من العمر 16 عاماً، لوكالة شفق نيوز، قائلاً إن مقاطع "الريلز"، تقدم تشكيلة متنوعة من المشاهد القصيرة، وتنتقل بسرعة من موضوع إلى آخر، وهو ما يجذب المستخدمين ويدفعهم إلى مواصلة المشاهدة.
أما الشاب حسين محمد، البالغ من العمر 18 عاماً، فيرى أن هذه المقاطع تساعده على الابتعاد عن الضجر.
ويضيف أن مشاهدة الفيديوهات لا تمثل مشكلة بالنسبة إليه، خصوصاً عندما تكون مضحكة، إذ يجد فيها مساحة للترفيه وتمضية الوقت.
وبينما ينظر بعض الشباب إلى هذه المقاطع بوصفها وسيلة بسيطة للمتعة، يرى آباء أن الوقت الذي يقضيه الأبناء في متابعتها يأتي أحياناً على حساب الدراسة والنشاط البدني والتفاعل الاجتماعي، ما يوسع الفجوة بين نظرة الأجيال المختلفة إلى استخدام التكنولوجيا.
معركة على الانتباه
وفي ظل اتساع النقاش بشأن المحتوى الرقمي، تواصل وزارة الداخلية ملاحقة صانعي المحتويات المخالفة ورصد ما يُنشر عبر الفضاء الرقمي، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تثبت مخالفته للقانون.
غير أن التعامل مع الإفراط في مشاهدة المقاطع القصيرة يتجاوز الملاحقة القانونية، ليشمل مسؤولية الأسرة والمدرسة والمنصات نفسها في تعزيز الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، وفقاً للباحثين.
ويرى الباحث في الشأن النفسي أحمد الذهبي، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن منصات التواصل الاجتماعي تتنافس على جذب انتباه المستخدم وإبقائه أطول وقت ممكن، موضحاً أن الانتقال المتكرر بين مقاطع قصيرة ومتباينة قد يجعل الحفاظ على التركيز المستمر أكثر صعوبة لدى بعض المستخدمين.
ووفقاً للذهبي، فإن الهاتف لم يعد مجرد شاشة لمشاهدة المحتوى، بل أصبح بيئة تتنافس فيها المقاطع والأخبار والموسيقى والإعلانات على جذب الانتباه، مضيفاً أن المشكلة تتعمق عندما يعتاد المستخدم الانتقال السريع بين الموضوعات، فلا يمنح فكرة واحدة الوقت الكافي لفهمها أو تحليلها.
ويحذر من أن الإفراط في هذا النمط من الاستخدام قد يرتبط بالتشتت وعدم الاستقرار في الانتباه، ولا سيما لدى الأجيال الأصغر سناً، مؤكداً أن التحدي لا يتعلق بالوقت وحده، بل بقدرة الإنسان على التركيز والتفاعل مع فكرة واحدة من دون البحث المستمر عن محتوى جديد.