شفق نيوز- بغداد 

لم يقتصر التغيير الذي شهده العراق بعد عام 2003 على شكل النظام السياسي وآليات تداول السلطة، بل امتد إلى بنية الحكومة الاتحادية وعدد وزاراتها واختصاصاتها، بين استحداث مؤسسات جديدة وإلغاء أخرى ودمج وزارات ضمن هياكل موحدة، في مسار ارتبط بمتطلبات إعادة بناء الدولة ومحاولات الإصلاح الإداري، فضلاً عن التوافقات السياسية التي رافقت تشكيل الحكومات المتعاقبة.

ومنذ المرحلة الانتقالية الأولى، بدأت ملامح الخريطة الوزارية الجديدة بالتشكل، مع إنشاء مؤسسات معنية بملفات برزت بعد التغيير السياسي، من بينها البيئة والهجرة والمهجرين وحقوق الإنسان، بالتزامن مع إعادة تنظيم عدد من الاختصاصات الحكومية.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2003، أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة وزارة البيئة بموجب الأمر رقم 44، قبل أن تتوالى التغييرات المؤسسية خلال عام 2004، مع إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتحديد اختصاصات الوزارات ضمن المرحلة الانتقالية.

ومع تشكيل الحكومة العراقية الانتقالية في حزيران/يونيو 2004، ضمت التشكيلة الوزارية طيفاً واسعاً من المؤسسات، شملت قطاعات الزراعة والاتصالات والإعمار والإسكان والثقافة والدفاع والتربية والكهرباء والبيئة والمالية والخارجية والصحة والتعليم العالي والبحث العلمي وحقوق الإنسان والصناعة والمعادن والداخلية والموارد المائية والعدل والعمل والشؤون الاجتماعية والنفط والتخطيط والعلوم والتكنولوجيا والتجارة والنقل والشباب والرياضة.

وشكلت تلك المرحلة بداية إعادة رسم الهيكل التنفيذي للدولة، في ظل الحاجة إلى إدارة ملفات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية جديدة، إلا أن التمييز بين الوزارات المستحدثة فعلياً وتلك التي امتدت من مؤسسات سابقة يظل ضرورياً عند تقييم حجم التغيير الذي طرأ على الجهاز الحكومي.

وبعد أكثر من عقد على التغيير السياسي، برز عام 2015 بوصفه إحدى المحطات المهمة في مسار إعادة هيكلة الوزارات، عندما أطلق رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي حزمة إصلاحات إدارية تضمنت إلغاء مناصب حكومية ودمج عدد من الوزارات، في محاولة لتقليص الجهاز التنفيذي والحد من النفقات.

وشملت الإجراءات إلغاء وزارة حقوق الإنسان ووزارة الدولة لشؤون المرأة ووزارة الدولة لشؤون المحافظات وشؤون مجلس النواب، فضلاً عن إلغاء عدد من مناصب وزراء الدولة.

كما تضمنت عمليات إعادة التنظيم دمج وزارة العلوم والتكنولوجيا مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة البيئة مع وزارة الصحة، ووزارة البلديات مع وزارة الإعمار والإسكان، فضلاً عن جمع اختصاصات السياحة والآثار مع وزارة الثقافة.

وعاد المشهد من جديد لكن ليس بحذف او دمج إنما استحداث وزارات جديدة في 15 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حيث صوت مجلس النواب على استحداث وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا، وتسمية محمد صاحب الدراجي وزيراً لها، كما صوّت على تسمية علي عبد الهادي الدخيلي وزيراً للسياحة، ومحمد سمعان وزير دولة، ضمن جلسة خُصصت لاستكمال الحقائب الوزارية الشاغرة والمستحدثة.

إرضاء الشركاء السياسيين

في قراءة لأسباب التغييرات التي شهدتها الخريطة الوزارية، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة ذي قار، قاسم الربيعي، أن التحولات التي طرأت على الهيكل الوزاري منذ عام 2003 لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل التحولات السياسية والدستورية مع متطلبات إدارة الدولة والتوازنات الحزبية وطبيعة تشكيل الحكومات الائتلافية.

ويقول الربيعي، لوكالة شفق نيوز، إن "العامل السياسي كان، في كثير من الحالات، أكثر تأثيراً من التخطيط المؤسسي طويل الأمد، ما جعل بعض التغييرات أقرب إلى الاستجابة لمتطلبات تشكيل الحكومات منها إلى تنفيذ مشروع متكامل لإصلاح الجهاز التنفيذي".

ويوضح أن "الحكومات العراقية تشكلت بعد عام 2003 في ظل نظام سياسي تعددي يقوم عملياً على التوافق بين القوى السياسية والمكونات المختلفة، الأمر الذي جعل الوزارات في كثير من الأحيان جزءاً من المفاوضات المتعلقة بتوزيع المواقع والنفوذ السياسي".

ويضيف الربيعي أن "الحاجة إلى استيعاب القوى المشاركة في الحكومة أثرت في عدد الوزارات وطبيعة اختصاصاتها، بالتوازي مع التحولات الدستورية والسياسية التي شهدتها البلاد، ولا سيما الانتقال إلى نظام اتحادي بعد إقرار دستور عام 2005، وما رافقه من مراجعة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية والمحافظات والأقاليم".

ولا ينفي الربيعي أن "بعض التغييرات استجابت لاحتياجات إدارية فعلية، في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والخدمية التي واجهها العراق، لكنه يشدد على أن المشكلة لا تكمن في استحداث وزارة أو دمج أخرى بحد ذاته، بل في مدى استناد القرار إلى دراسة واضحة للحاجة الفعلية وحجم المهام والكلفة المالية، فضلاً عن مدى وجود مؤسسات أخرى تؤدي الوظائف نفسها".

ويشير إلى أن "إصلاح الجهاز التنفيذي يتطلب تخطيطاً استراتيجياً مستمراً، يقوم على تقييم أداء الوزارات وتحديد التداخل في اختصاصاتها وقياس كفاءة الإنفاق"، محذراً من أن "غياب الرؤية طويلة الأمد قد يجعل القرارات الإدارية مرتبطة بظروف تشكيل الحكومات أكثر من ارتباطها بأهداف التنمية وتكامل المؤسسات".

ويخلص الربيعي إلى أن "جانباً من عمليات استحداث الوزارات لم يستند إلى رؤية إصلاحية متكاملة تقوم على متطلبات التنمية وتكامل العمل المؤسسي، بقدر ما ارتبط بإرضاء الشركاء السياسيين وتجسيد مبدأ التوافقية والمحاصصة".

معايير الدمج والاستحداث 

من جانبه، يرى المحلل السياسي علي حبيب، أن التغييرات المتكررة في عدد الوزارات واختصاصاتها وتسمياتها منذ عام 2003 تعكس تداخل عاملين رئيسيين: الحاجة الإدارية من جهة، والتوازنات السياسية من جهة أخرى.

ويقول حبيب لوكالة شفق نيوز إن "مرحلة بناء مؤسسات الدولة بعد عام 2003 فرضت استحداث مؤسسات ووزارات للتعامل مع ملفات ظهرت أو توسعت أهميتها، مثل حقوق الإنسان والهجرة والمهجرين والعلوم والتكنولوجيا، بالتزامن مع محاولات دمج بعض المؤسسات وإعادة تنظيم الجهاز التنفيذي". 

ويشير إلى أن "طبيعة النظام السياسي وآليات تشكيل الحكومات الائتلافية جعلت الحقائب الوزارية جزءاً من التفاوض بين القوى السياسية، في إطار السعي إلى تحقيق التوازن بين المكونات والكتل، وهو ما أسهم، في بعض الحالات في زيادة عدد الوزارات واستحداث مناصب جديدة لتلبية المطالب السياسية".

ويؤكد حبيب أن "الإشكالية لا تتمثل في إنشاء وزارة جديدة بحد ذاته، وإنما في المعايير التي تحكم قرار الاستحداث أو الدمج"، موضحاً أن القرار يكون إصلاحياً عندما يستند إلى دراسة واضحة للحاجة الفعلية، والكلفة المالية، وحجم المهام، وعدم وجود مؤسسة أخرى تؤدي الوظيفة ذاتها". 

ويبين أنه "عندما تكون التغييرات نتيجة تفاهمات سياسية لا تستند إلى متطلبات إدارية واضحة، فإنها قد تؤدي إلى تضخم النفقات وتداخل الاختصاصات، بدلاً من تحسين كفاءة الدولة."

ويشدد على "ضرورة اعتماد معايير ثابتة وموضوعية عند إجراء أي تغيير في الهيكل الحكومي، بحيث تكون حاجة المؤسسات ومتطلبات العمل أساس القرار، لا اعتبارات توزيع المناصب بين القوى السياسية".

استقلالية "السياحة"

بدوره، يرى المحلل السياسي رياض الوحيلي في حديث لوكالة شفق نيوز أن "التجربة السياسية العراقية بعد عام 2003 بدأت من دون تخطيط واضح ومتكامل لبناء الهيكل الوزاري، مشيراً إلى أن توزيع الوزارات خضع لاعتبارات متعددة، من بينها المحاصصة القومية والفئوية والحزبية، فضلاً عن بعض الاعتبارات الشخصية". 

ويقول الوحيلي إن "العدد الكبير للوزارات في المراحل الأولى من التجربة، ومع مرور الوقت وتراكم النفقات، كشف عن الحاجة إلى مراجعة الهيكل التنفيذي ودمج بعض المؤسسات". 

ويرى الوحيلي أن "هذا الاتجاه كان صائباً من حيث المبدأ"، لافتا الى "أهمية الفصل بين القرارات التي تستند إلى متطلبات إدارية واقتصادية، وتلك التي تأتي استجابة للتوازنات السياسية، خصوصاً في ظل التحديات المالية التي تواجه البلاد". 

وفي ما يتعلق بملف الثقافة والسياحة والآثار، يوضح الوحيلي أن "فصل السياحة والآثار عن وزارة الثقافة وإعادة تشكيلهما ضمن وزارتين منفصلتين يمكن أن يكون خطوة إيجابية، بالنظر إلى الإمكانات السياحية التي يمتلكها العراق، بما يشمل السياحة الدينية والأثرية والطبيعي".

ويشير إلى أن "تطوير القطاع السياحي يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل وتقليل البطالة، فضلاً عن توفير موارد إضافية للموازنة الاتحادية، شريطة أن تتوافر الخطط والاستثمارات اللازمة لاستثمار هذه الإمكانات".

ويحذر من أن "استحداث وزارات جديدة، ومنها الوزارات المعنية بالحوكمة، قد يضيف أعباء مالية وإدارية إذا لم يستند إلى حاجة واضحة ومهام محددة، خصوصاً في ظل الوضع الاقتصادي والمالي الذي تمر به البلاد".

ويتابع أن "التوازنات بين المكونات والكتل السياسية لا تزال تؤثر في قرارات تشكيل الهيكل الحكومي، أكثر من اعتماد معايير مؤسسية ثابتة"، مشيراً إلى أن "البرلمان يمتلك دوراً أساسياً في إقرار الأطر القانونية المتعلقة باستحداث الوزارات، فيما تؤثر المشاورات بين القوى السياسية في طبيعة التشكيلات الحكومية التي يجري الاتفاق عليها". 

تعددية خارج الدستور

إلى ذلك، يرى المحلل السياسي طالب الفيلي، أن "استحداث مناصب متعددة لنواب رئيس الوزراء يثير تساؤلات بشأن جدواها الإدارية، واحتمالات تداخل الصلاحيات وتشتت المسؤولية، فضلاً عن الأساس الدستوري لتنظيمها، فالمادة (139) من الدستور العراقي نصّت على أن يكون لرئيس مجلس الوزراء نائبان في الدورة الانتخابية الأولى، وهو نص انتقالي يستدعي قراءة دستورية دقيقة قبل إصدار حكم قاطع بشأن مدى مشروعية الترتيبات اللاحقة، كما أن تعدد المناصب لا يُعدّ مشكلة بحد ذاته ما لم يقترن بتداخل الاختصاصات أو زيادة الأعباء الإدارية أو إضعاف وضوح المسؤولية التنفيذية". 

ويضيف الفيلي في حديث لوكالة شفق نيوز: "أما الأدلة التي يمكن الاستناد إليها لتقييم نتائج هذه التغيّرات، فتتمثل في مقارنة النفقات الإدارية قبل إعادة هيكلة الوزارات وبعدها، وقياس مستوى تنفيذ الموازنات والبرامج الحكومية، ومدى تحسن الخدمات العامة وسرعة إنجاز المعاملات، فضلاً عن دراسة تقارير ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيئة النزاهة بشأن المخالفات المالية، واسترداد الأموال، والمشروعات المتلكئة". 

ويشير إلى أنه "يمكن الاستناد إلى بيانات التعيينات والترقيات لمعرفة مدى الالتزام بمعايير الكفاءة والاستحقاق، وإلى استطلاعات الرأي ومؤشرات ثقة المواطنين لتقييم انعكاس هذه التغيّرات على العلاقة بين المجتمع والدولة".

ويلفت إلى أن "بيانات تنفيذ الموازنات وتقارير المؤسسات الرقابية، إلى جانب مؤشرات الحوكمة والفساد، أدوات للمقارنة بين المراحل المختلفة، على أن تُقرأ هذه الأدلة في سياقها، لأن التحسن أو التراجع قد يتأثر أيضاً بعوامل اقتصادية وأمنية وسياسية لا ترتبط مباشرة بتغيير الهيكل الوزاري".

ويتابع الفيلي أن "الحكم على هذه التغيّرات لا ينبغي أن يستند إلى عدد الوزارات أو المناصب المستحدثة وحده، وإنما إلى نتائجها الفعلية، من حيث خفض الإنفاق، وتحسين الخدمات، وتعزيز المساءلة، وتقليص الفساد، ورفع كفاءة الإدارة العامة، كما ينبغي التمييز بين ما يمكن إثباته بالبيانات والتقارير، وما يُطرح بوصفه تفسيراً سياسياً لدوافع استحداث الوزارات أو توزيع المناصب".

وبين الحاجة إلى مؤسسات تستجيب للتحولات التي شهدها العراق منذ عام 2003، والانتقادات المتعلقة بتأثير المحاصصة السياسية في تشكيل الحكومات، تبرز مسألة كفاءة الهيكل الوزاري بوصفها أحد التحديات المستمرة أمام إصلاح الإدارة العامة.