شفق نيوز- بغداد

جمعت "أم عامر" خمسة أكياس من الطحين مع اندلاع شرارة الحرب في المنطقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فضلاً عن قيامها بشراء عدد من أكياس الرز والزيت وخزنتها في غرفة المعيشة أعلى المنزل.

وتوضح "أم عامر" أن هذا السلوك يأتي تفادياً لأي أزمات قد تترتب على تداعيات الحرب.

وتقول في حديث لوكالة شفق نيوز: "مع بدء الحرب وإغلاق مضيق هرمز وصعوبة وصول المواد الغذائية بين الدول، قمنا بتخزين كميات كبيرة من الطحين والرز والزيت والبقوليات وكل شيء صالح للحفظ لفترة طويلة، تحسباً لأي أزمة غذائية قد تواجهنا".

وتضيف: "لم تحصل أزمة ومرت الأمور بسلام، لكن الطحين بدأ يتعرض للتلف كما أصاب الرز (القمل) أيضاً".

ويهرع العراقيون خلال الأزمات الطارئة إلى شراء المؤن والسلع التي تتعرض لشحة في السوق.

وفي آخر أزمة بنزين شهدتها بغداد والمدن العراقية الأخرى قبل أيام، قام "علي صالح الساعدي" بتعبئة البنزين في جلكانات كثيرة، وملأ سيارته وسيارة والديه وإخوته حتى نهاية خزان الوقود خوفاً من تفشي الأزمة.

ويؤكد الساعدي في حديثه لوكالة شفق نيوز: "اشتريت من السوق السوداء الكثير من عبوات البنزين، وقمت بملء كل سيارة في المنزل دون أدنى اكتراث للتصريحات الحكومية التي كانت تشير إلى أن هذه الأزمة مفتعلة وأنها في طريقها إلى الحل".

ويوضح الساعدي سبب خوفه وخوف المواطنين من الأزمات بأنه يعود إلى عدم وجود إدارة ناجحة تضمن توفر السلع والبضائع عند اشتداد الأزمات، مؤكداً أن "أصحاب المحال التجارية يرفعون أسعار بضائعهم بشكل خيالي مع وجود أي بوادر لأزمة ما من خلال احتكار المواد، وهو ما يدفع الناس إلى الادخار".

وحسب الطالب الجامعي "وليد مهدي"، فإن "نسبة كبيرة جداً من المواطنين تميل إلى استباق الأزمات وادخار المواد تحسباً لأي وضع طارئ قد تفرزه ظروف معينة".

ويشير مهدي في حديثه لشفق نيوز إلى أنه "منذ سنين طويلة اعتاد المواطنون في العراق على شراء المواد الغذائية خلال الحروب أو الأزمات التي تعصف بالبلاد أو بالدول المجاورة"، مبيناً أن "الناس قد يكونون على حق في ذلك بسبب عدم وجود تخطيط متقن للأمن الغذائي ومتابعة جادة لحركة الأسواق، وخاصة المواد الغذائية الضرورية".

ويلفت إلى أن "أزمة البنزين التي شهدها العراق مؤخراً، مع كونها أزمة طارئة، خلقت العديد من المشاكل وتسببت بأضرار لأصحاب سيارات الأجرة، فيما ارتفع سعر البنزين في السوق السوداء وكان يباع علناً بأسعار مبالغ بها، ولم تتدخل الجهات المعنية".

بيد أن الأمور قد تنقلب إلى ضدها في حال وجود مبالغة في الادخار، يقول وليد.

ويوضح أن "شراء المواد بكميات تزيد كثيراً على حاجة الأسر سيشكل ضغطاً على السوق ويُظهر نقصاً في المواد، وهو ما يؤدي إلى رفع أسعارها وحرمان مواطنين آخرين من الحصول عليها".

ولكن ما الأسباب التي تحرك المواطنين وتدفعهم إلى هذا السلوك؟ هل هو تراكم التجارب السابقة والنقص الحاد في المواد خلال تسعينيات القرن الماضي، والتجارب المريرة اللاحقة في الظروف الصعبة؟ أم هو عدم الثقة بقدرة الجهات الحكومية على التعامل مع الأزمات؟ أم هو طابع اجتماعي راسخ ورثه العراقيون جراء الجوع والقمع والفقر الذي عاشوه خلال حقب مختلفة؟

أو قد تكون هذه الأسباب مجتمعة وغيرها وراء حرص المواطنين على محاولة تجاوز الأزمات دون معاناة.

وتوضح الباحثة في علم النفس مناهل الصالح: أن "الخوف من الأزمات عامل نفسي يظهر في لحظة الأزمة، حيث يتعامل الدماغ معها ويعدّها تهديداً للبقاء، فيقوم بتشغيل جرس الإنذار المبكر".

وتضيف في حديثها لشفق نيوز: أن "الإنسان في وقت الأزمات لا يشعر فقط بأن شيئاً سيئاً يحدث، بل يشعر بأن سيطرته على الحياة برمتها أصبحت تهتز، أو أنه يكاد يفقدها، وهو ما يدفعه إلى التهافت لتفادي الخطر".

وتنوه الصالح إلى أن "العراقيين ليسوا استثناءً من بقية شعوب العالم في محاولة تأمين احتياجاتهم ودرء خطر الأزمات، وهو أمر يقع في صميم اهتمامات أغلب الناس، ولكن الفارق بين العراقيين وغيرهم في هذا المجال يقوم على عدد من المسببات، أولها قدرة الحكومة على توفير الأمن الغذائي من خلال الاحتياط الفائض الذي يضمن تجاوز الأزمة، وعدم وجود محددات تلزم المواطنين بشراء كميات تسد حاجتهم وتسمح للآخرين بالحصول على كميات مماثلة".

وتضيف: "هناك أزمات حادة شهدها العالم خلال الحربين العالميتين وما بعدهما، بيد أن الخطط الرصينة التي تضعها الحكومات تكون غالباً كافية لتجاوز الأزمة خلال مدة قصيرة، ولكن الأمر في العراق يبدو معكوساً، إذ لا يوجد تنظيم أو خطط واضحة، فضلاً عن أن البلاد تعاني من أزمات متتالية سواء في السيولة المالية أو السلع الغذائية أو الوقود وغيرها، ويجبر تراكم الأزمات الناس على حماية أنفسهم من الطوارئ من خلال الإقبال على التزود بالمواد التي تحصل فيها أزمة كالغاز والبنزين وغيرها".

وقد يكون شراء المواد لا يرتبط بالحاجة الفعلية لتلك المواد بقدر ما هو ردة فعل إزاء التهديد المعيشي الذي قد يتعرض له المواطنون، وفق ما يقوله الباحث في علم الاجتماع الأكاديمي كريم الأزرقي.

ويقول الأزرقي في حديث لوكالة شفق نيوز: إن "اندفاع المواطنين نحو تخزين المواد الغذائية كالطحين والرز والصمون خلال الأزمات لا يرتبط بالحاجة الفعلية فقط، بل يعكس استجابة نفسية للخوف وعدم اليقين"، مؤكداً أن "الشعور بتهديد الأمن المعيشي يدفع الأفراد إلى البحث عن وسائل تمنحهم الإحساس بالسيطرة، ويأتي تخزين الطعام في مقدمة هذه الوسائل باعتباره أبرز رموز الأمن والاستقرار خلال الأزمات".

ويضيف: "هذه الظاهرة تعد استجابة نفسية طبيعية لحالة القلق الجماعي، فحين يشعر الناس بأي تهديد محتمل لمصادر الغذاء، يتجهون إلى شراء كميات تفوق حاجتهم الفعلية بهدف استعادة الشعور بالأمان والسيطرة على الظروف المحيطة"، مشيراً إلى أنه "غالباً ما يتأثر هذا السلوك بتصرفات الآخرين، ويتحول بذلك القلق الفردي إلى سلوك جماعي يدفع الآخرين إلى الإسراع في التخزين خوفاً من نفاد المواد الأساسية".

ويبدو أن السعي إلى التخزين قد لا يرتبط بوجود نقص حقيقي في الأسواق، بل قد ينجم عن مجرد شائعات أو أخبار متداولة تتعلق بأزمة عابرة وغير حقيقية، لكن تراكم التجارب المريرة في البلاد هو الذي يخلق استجابة سريعة لدى المواطنين لتفادي تهديد الأزمات.