شفق نيوز- بغداد/ الديوانية

في قضاء السنية بمحافظة الديوانية، لا يحتاج الصياد أبو علاء إلى إحصاءات رسمية ليدرك أن المياه التي اعتاد أن يكسب منها رزقه لم تعد كما كانت.

يجلس أبو علاء، قرب مجرى الصيد، يتابع حركة الماء ويبحث عن أماكن تجمع الأسماك، لكن شح المياه وتغير مساراتها جعلا مهنته أكثر صعوبة.

ويقول أبو علاء، لوكالة شفق نيوز، إن الأسماك التي يصطادها لم تعد تأتي بالطريقة نفسها التي اعتادها، فيما بدأت أنواع تدخل إلى مناطق الصيد عبر نهر الحفار جنوب غربي المحافظة، في انعكاس للتغيرات التي طرأت على المجاري المائية وبيئة الأسماك.

وبالنسبة إليه، أصبح الصيد أكثر من مجرد مهنة ورثها أو مصدر دخل يومي، فهو اليوم يخوض تحدياً مع تراجع المياه، في محاولة لمعرفة مدى قدرتها على تأمين ما يكفي لإعالة أسرته.

وتلخص تجربة أبو علاء، جانباً من أزمة أوسع يعيشها قطاع الثروة السمكية في العراق، حيث تتراكم تداعيات شحة المياه وتراجع مناسيب الأنهار والأهوار وتلوث المجاري المائية ونفوق الأسماك وإغلاق بعض مزارع التربية وانتشار الأمراض، بالتزامن مع دخول الأسماك المستوردة وظهور أنواع دخيلة مثل السلور أو القرموط الأفريقي.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، ففي الوقت الذي يحذر فيه منتجو الأسماك والصيادون من تراجع الإنتاج، حيث تقول وزارة الزراعة إنها وسعت برامج إكثار الأسماك وإطلاقها في الأنهار والمسطحات المائية، وإنها أطلقت خلال 2026 نحو 155 مليون سمكة، بزيادة تقارب 65% عن العام السابق.

تراجع الإنتاج

من جهته، يرى رئيس الجمعية العراقية لمنتجي الأسماك، إياد الطالبي، أن القطاع مر بتراجع حاد منذ 2018، قائلاً إن إنتاج العراق كان يتجاوز 900 ألف طن في ذلك العام، بينما يقدّر الإنتاج الحالي بنحو 250 إلى 300 ألف طن.

وكانت تقديرات سابقة نقلت عن الطالبي تشير إلى أن إنتاج العراق في 2018–2020 تجاوز مليون طن عند احتساب إنتاج المزارع المرخصة وغير المرخصة، ما يعكس حجم التغير الذي أصاب القطاع خلال السنوات الأخيرة.

ويعزو الطالبي، التراجع الحالي إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها شحة المياه، وردم الأحواض غير المرخصة، ثم القرارات المتعلقة بإغلاق المزارع المرخصة، فضلاً عن التلوث والأمراض والمنافسة من الأسماك المستوردة.

وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يؤكد أن قرار إغلاق المزارع المرخصة، الذي اتخذته الجهات المعنية على خلفية أزمة المياه، أضر بالمربين، خصوصاً أن كثيراً من هذه المشاريع تعمل بتراخيص رسمية وتدفع الرسوم المستحقة عليها.

وبحسب الطالبي، فإن مشكلة المزارع لا تتعلق بالمياه فقط، وإنما أيضاً بطريقة الانتقال إلى نماذج إنتاج جديدة، فالمزارع التي تحتوي على أسماك لا يمكن إفراغها خلال أيام أو أسابيع، لأن دورة الإنتاج تحتاج إلى أشهر، بينما يؤدي الإغلاق المفاجئ إلى دفع المربين لتسويق الأسماك بصورة مكثفة، الأمر الذي يضغط على الأسعار ويهدد جدوى الاستثمار.

وكانت وزارة الموارد المائية قد اتجهت إلى إلزام أصحاب المزارع بالتحول إلى الأنظمة المغلقة، التي تعيد تدوير المياه وتستهلك كميات أقل منها، في محاولة للتكيف مع أزمة الجفاف.

وتشير الوزارة، إلى أن هذا النموذج أكثر كفاءة في استخدام المياه، وهو توجه تتبعه دول تواجه شحاً مائياً، كما شهدت السنوات الماضية حملات لإزالة أحواض سمكية غير مرخصة في إطار سياسة ترشيد استخدام المياه.

لكن الطالبي يرى أن الانتقال يجب أن يكون تدريجياً ومدعوماً، وليس عبر إغلاق المشاريع القائمة من دون توفير بدائل كافية أو تعويضات، مبيناً أن كلفة إنتاج كيلوغرام السمك تصل إلى نحو 5 آلاف دينار عراقي، بينما تدخل أسماك الكارب المستوردة إلى السوق بأسعار تقارب 3 آلاف دينار، ما يجعل المنتج العراقي عاجزاً عن المنافسة.

ويضيف أن بعض الأسماك المستوردة تدخل حية وبكميات كبيرة، معتبراً أن استمرار ذلك يضعف قدرة المربي العراقي على الصمود.

ويستهلك العراقيون الأسماك بكميات محدودة مقارنة بكثير من الدول، لكنها تحتل، خصوصاً أسماك الكارب، مكانة راسخة في المائدة المحلية، فيما ترتبط أنواع مثل البني والقطان والشبوط بذاكرة المطبخ العراقي وثقافته الغذائية.

ولا يقتصر الضغط على المياه والسوق، بحسب الطالبي، إذ تعرضت مشاريع تربية الأسماك لمشكلات مرضية، بينها فيروس الهربس، الذي يقول إنه تسبب بنفوق نسب مرتفعة من الإنتاج في بعض المزارع، مع غياب الدعم الكافي للمنتجين وضرورة توفير اللقاحات اللازمة.

ويحذر من أن استمرار هذه الظروف لا يهدد أصحاب المزارع وحدهم، بل يمتد إلى العمال والصيادين وسلسلة واسعة من المهن المرتبطة بالقطاع، من النقل والتجارة إلى المطاعم.

أزمة المياه والتلوث

إلا أن أزمة الثروة السمكية لا تقف عند حدود الأحواض السمكية، إذ تمتد تداعياتها إلى الأنهار والأهوار والبيئة المائية بأكملها، فالأسماك العراقية تعتمد على شبكة مائية واسعة تشمل دجلة والفرات والأهوار والمسطحات الجنوبية، فيما تشكل الأنواع المحلية مثل البني والقطان والشبوط جزءاً من المخزون الطبيعي والتراث الغذائي للعراق.

لكن هذه البيئة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضغوط متزامنة من الجفاف والتلوث وانخفاض مناسيب المياه.

وفي آب/ أغسطس الجاري، تكررت مشاهد نفوق الأسماك في قناة العمشان بمحافظة ميسان، وسط روايات محلية تربط الحادثة بانخفاض الإطلاقات المائية وتراجع المناسيب ونقص الأوكسجين الذائب.

ولا تبدو حادثة العمشان منفصلة عن سلسلة أوسع، فقد حذر مرصد "العراق الأخضر" في آب/ أغسطس الجاري من تحول نفوق الأسماك إلى ظاهرة متكررة، مشيراً إلى حوادث سابقة في الفرات وبابل وهور الدلمج ونهر العز في ميسان وهور ابن نجم في النجف.

وفي نيسان/ أبريل 2026، قال المرصد، إن أكثر من ألف طن من الأسماك نفقت في دجلة وديالى، مع إرجاع الحادثة إلى تلوث حاد بمخلفات الصرف الصحي والصناعي، تزامن مع زيادة الإطلاقات المائية التي جرفت ملوثات متراكمة باتجاه دجلة.

وتكشف هذه الحوادث أن أزمة المياه لا تعني قلة الكميات فقط، وإنما تتعلق أيضاً بجودة المياه وتوقيت إطلاقها وطريقة توزيعها بين المحافظات والمسطحات المائية.

ويحذر خبراء بيئيون من أن ارتفاع درجات الحرارة وتلوث المياه وتصريف مياه الصرف غير المعالجة يمكن أن يخفض مستويات الأوكسجين الذائب، خصوصاً عندما تكون مناسيب المياه منخفضة.

جهود حكومية

وفي مواجهة هذه التحذيرات، يعتقد المتحدث باسم وزارة الزراعة العراقية، قصي الحطاب، إن الوزارة وضعت خطة لدعم الثروة السمكية، وإنها تتابع المخاطر المرتبطة بشحة المياه والأنواع الغازية والصيد الجائر.

ويلفت الحطاب، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن دائرة الثروة الحيوانية نفذت خطة لإطلاق الإصبعيات والكفيات والأسماك حديثة الفقس في الأنهار والمسطحات والمبازل بهدف دعم المخزون السمكي.

وبحسب الوزارة، فقد بلغت الإطلاقات خلال الموسم الحالي 155 مليون سمكة، مقارنة بنحو 95 مليوناً في الموسم السابق، بزيادة تقارب 65%، وتشمل الإطلاقات أنواع الكارب العشبي والفضي والاعتيادي، إلى جانب الأنواع العراقية مثل الكطان والبني والشبوط.

ولا تقتصر الخطة على الإطلاقات، وفق الحطاب، إذ تعمل فرق جوالة من المختصين في دائرة الثروة الحيوانية على متابعة المشكلات وتحديد مواقعها باستخدام أجهزة تحديد المواقع الجغرافية، بهدف تطويقها ومعالجتها.

وبحسب الحطاب، فإن الوزارة تتابع أيضاً الصيد الجائر والممارسات المخالفة، وإن الفرق تعمل في أوقات مختلفة لمواجهة تلك الخروقات، مضيفاً أن الوزارة ترى أن الواقع السمكي في العراق "جيد"، وأن كوادر دائرة الثروة الحيوانية تعمل لحماية مختلف الأنواع العراقية.

وفي تموز/ يوليو 2026، أعلنت وزارة الزراعة أيضاً أن الأسواق العراقية تشهد وفرة في بعض الأنواع المحلية، ولا سيما الكطان والبني والشبوط، مشيرة إلى أن مفاقس دائرة الثروة الحيوانية أنتجت أكثر من 1.549 مليون سمكة عراقية خلال المواسم 2023–2025 ضمن برامج إعادة بناء المخزون والحفاظ على الأنواع المحلية.

خطر الأنواع الغازية

لكن جهود إعادة إطلاق الأسماك المحلية تواجه مشكلة أخرى تتمثل في الأنواع الغازية، ففي السنوات الأخيرة ظهر القرموط أو السلور الأفريقي في عدد من المسطحات المائية العراقية، وأثار انتشاره مخاوف بيئية بسبب قدرته على التكيف مع ظروف مائية صعبة وافتراسه الأسماك الأصغر.

وأشارت تقارير عراقية حديثة إلى تسجيل النوع في دجلة، فيما تتحدث تقديرات ميدانية عن انتشاره في مناطق من ميسان وذي قار والبصرة، كما قالت وزارة الزراعة إن ظهور النوع سُجل رسمياً في العراق عام 2023.

وتتمتع هذه السمكة بقدرة على تحمل نقص الأوكسجين والعيش في ظروف مائية متدهورة، كما أنها شرهة ومرنة غذائياً وقادرة على التكاثر والانتشار بسرعة، وهي خصائص تجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.