شفق نيوز- النجف
مع بداية شهر صفر واقتراب موعد الزيارة الأربعينية، تتبدل ملامح المدينة القديمة في محافظة النجف، حيث تنشط حركة تجارية موسمية يعتمد عليها آلاف الباعة المتجولين وأصحاب المحال، الذين يرون في هذه المناسبة فرصة لتعويض أشهر من الركود بالتزامن مع الحشود المليونية من الزائرين.
وبين الأزقة المؤدية إلى مرقد الإمام علي، تتحول الأرصفة إلى أسواق مفتوحة، تعرض كل ما يحتاجه الزائرون من العراقيين والأجانب، أو يرغب باقتنائه كتذكار من رحلته.
الشاب إياد محسن (25 عاما) من أهالي مدينة السماوة، يستعد منذ خمسة أعوام، مع بداية شهر صفر من كل عام، للتوجه إلى النجف، حيث يشتري أحجبة الرأس والجوارب من أسواق الجملة، ثم يفترش بضاعته في شارع الصادق داخل المدينة القديمة، أحد أبرز الطرق المؤدية إلى مرقد الإمام علي، لبيعها للزوار الإيرانيين الوافدين لإحياء زيارة أربعينية الإمام الحسين.
وقال أياد لوكالة شفق نيوز، إن "موسم الأربعين يمثل فرصة سنوية لتحسين دخلي"، مبيناً أن "الزوار الإيرانيين يفضلون شراء الهدايا البسيطة ومنخفضة الثمن، مثل أحجبة الرأس والجوارب وبعض الإكسسوارات، لتقديمها إلى عائلاتهم وأصدقائهم عند عودتهم إلى بلادهم".
وأضاف: "في البداية كنت أواجه صعوبة في التواصل مع الزبائن بسبب اختلاف اللغة، لكن مع مرور السنوات تعلمت العديد من الكلمات والعبارات الفارسية التي أحتاجها في عملي، خصوصاً ما يتعلق بالأسعار والبيع والشراء، وهذا سهّل التعامل مع الزوار بشكل كبير".
وأشار إلى أن "الدخل الذي أحققه خلال أكثر من شهر من العمل في موسم الزيارة يعد جيداً، ويساعدني على إعالة أسرتي في مدينة السماوة"، لافتاً إلى أن "فرص العمل في مدينتي محدودة، ولا سيما لمن لم تتح له فرصة إكمال تعليمه".
مهن لمن لا مهنة له
ويعرض الباعة المتجولون تشكيلة واسعة من السلع التي يقبل عليها الزوار، من بينها الملابس، وألعاب الأطفال، والأوشحة، وأحجبة الرأس، والجوارب، والهدايا التذكارية البسيطة، في مشهد يتكرر سنوياً مع توافد ملايين الزائرين، ويشكل مورداً اقتصادياً مهماً لعشرات العائلات التي تعتمد على موسم الأربعين لتأمين جزء كبير من دخلها السنوي.
ويؤكد بائع العطور مرتضى جاسم، من أهالي النجف، أن مواسم الزيارات الدينية لم توفر له مورداً مالياً فحسب، بل دفعته أيضاً إلى تعلم لغة جديدة لتطوير عمله.
وتحدث مرتضى، لوكالة شفق نيوز، قائلاً: "قبل 8 سنوات جئت مع أحد أصدقائي لمساعدته في بيع العطور للزوار الإيرانيين، وكانت مهمتي تقتصر على حمل البضاعة ومرافقته في جولاته، لأنني لم أكن أجيد التحدث باللغة الفارسية، وانتهى موسم الأربعين حينها وأنا لا أعرف سوى كلمات بسيطة".
وتابع: "بعد انتهاء الموسم عرض عليّ صديقي أن أعمل بشكل مستقل، فأشتري البضاعة وأبيعها بنفسي، لكنني ترددت كثيراً ورفضت الفكرة في البداية، لأنني كنت أعتقد أن حاجز اللغة سيمنعني من النجاح".
وأكمل مرتضى، قائلاً: "بعد أيام بدأت أبحث في موقع يوتيوب عن برامج لتعليم اللغة الفارسية، فاكتشفت أنها أسهل مما كنت أتصور، حيث واصلت متابعة الدروس بشكل يومي، وشاهدت أفلاماً إيرانية، وانضممت إلى مجموعات إيرانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتدرب على المحادثة والتواصل مع الناطقين بالفارسية".
وأوضح أن "هذه التجربة مكنتني من التعامل بثقة مع الزوار الإيرانيين"، لافتاً إلى أنه "بت اليوم أصنع خلطاتي العطرية بنفسي داخل المنزل واعرضها للبيع خلال موسم الأربعين، وهي تلقى إقبالاً من الزوار الإيرانيين".
ولفت مرتضى، إلى أن "وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة مهمة لتطوير المهارات، والإصرار على تحقيق الهدف أصبح اليوم أسهل من السابق، فكل ما يحتاجه الإنسان من تعليم أو تدريب متاح عبر الإنترنت، سواء لتعلم اللغات أو اكتساب أي مهنة يرغب بها".
انتعاش سوق الجملة
وفي سوق الجملة داخل المدينة القديمة، يقف محمد سعدون، صاحب أحد محال بيع الملابس بالجملة، على رأس حلقة اقتصادية تبدأ من المستورد وتنتهي عند البائع المتجول، مؤكداً أن موسم الأربعين يمثل شرياناً مهماً للحركة التجارية في النجف.
ورأى سعدون، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز: "زيارة الأربعين تنعش الأسواق بشكل واضح، لذلك نحرص قبل الموسم على استيراد وشراء بضائع متنوعة، ولا سيما الملابس التي تتناسب أسعارها مع القدرة الشرائية للزائر الإيراني".
وبين أن "غالبية الزوار الإيرانيين باتوا يبحثون عن السلع منخفضة الثمن"، موضحاً أن "الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها إيران، إلى جانب العقوبات والحروب والتوترات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، انعكست بشكل مباشر على حجم إنفاقهم أثناء الزيارة".
ووفقاً لسعدون، فإن أغلب زبائنه هم من الباعة المتجولين المنتشرين في شوارع المدينة القديمة، مبينا أن محله يقع في قلب المنطقة القديمة، لذلك يتردد عليه يومياً عشرات الشباب لشراء الملابس والبضائع التي يعرضونها على الزوار، وهو يحاول مساعدتهم بتقديم أسعار مناسبة.
كما أوضح أن "أسعار الجملة تبدأ من نحو 250 ديناراً للقطعة الواحدة، وقد تصل إلى ثلاثة آلاف دينار بحسب نوع البضاعة، وتشمل الملابس والجوارب ومنتجات أخرى يزداد الطلب عليها خلال موسم الزيارة".
وأشار سعدون، إلى أن "أنماط الشراء تغيرت خلال السنوات الأخيرة"، مبيناً أن "الزائر الإيراني كان في السابق يُقبل على شراء الملابس والسلع ذات الأسعار المرتفعة، إلا أن الأوضاع الاقتصادية والتوترات الإقليمية دفعته إلى التركيز على البضائع الأقل سعراً".
وختم حديثه بالقول: "نتمنى أن تنتهي الحروب وأن يعم السلام المنطقة والعالم، لأن الاستقرار ينعكس على الجميع، سواء على الزائر أو التاجر أو العامل البسيط الذي ينتظر هذا الموسم من عام إلى آخر".
الرزق البسيط
البائع المتجول كرار عادل، من أهالي النجف، اختار التخصص في بيع الدشاديش البيضاء التي يحرص كثير من الزائرين على ارتدائها خلال رحلتهم سيراً على الأقدام من النجف إلى كربلاء، والتي تمتد لنحو 80 كيلومتراً.
وقال عادل لوكالة شفق نيوز، إن "الإقبال على الدشداشة البيضاء يزداد مع انطلاق مواكب المشاية، لأنها تعد أكثر ملاءمة للأجواء الحارة، مضيفاً أن "اللون الأبيض يعكس أشعة الشمس ولا يمتص الحرارة كما تفعل الألوان الداكنة، لذلك يفضله الزائرون، خاصة خلال ساعات النهار".
وأضاف أن "سعر الدشداشة الواحدة يبلغ نحو ألف دينار فقط، وهو سعر يناسب معظم الزائرين"، متابعاً: "أحرص على توفير بضائع منخفضة الكلفة تتلاءم مع القدرة الشرائية للزوار الإيرانيين وغيرهم".
وبحسب عادل، فإن معظم البضائع التي أبيعها أقوم بجلبها من أسواق الملابس المستعملة في العاصمة بغداد، حيث أختار الملابس التي تجمع بين السعر المناسب وجودة الاستخدام، بما يلبي احتياجات الزائرين خلال موسم الزيارة، مستطرداً بالقول: "هذا هو مصدر رزقنا، وقد يكون الربح بسيطاً، لكنه يوفر لنا قوتنا اليومي، وفي الوقت نفسه نشعر بأننا نشارك في خدمة الزائرين".
ومن بين المتسوقين، كانت الزائرة الإيرانية فاطمة مشهدي، تبحث بين أكوام أحجبة الرأس المعروضة على أحد الأرصفة، قبل أن تتوقف أمام بائع متجول لاختيار هدية لابنتها.
وأكدت مشهدي لوكالة شفق نيوز: "لا نهتم كثيراً بسعر الهدية، سواء كانت مرتفعة أم منخفضة، فالأهم بالنسبة لنا أنها هدية مباركة من جوار مرقد الإمام علي (ع)، وتحمل ذكرى هذه الزيارة".
وبينت وهي تتفحص ألوان الأحجبة: "ابنتي الصغيرة أوصتني أن أشتري لها حجاباً بلون معين، وأنا الآن أبحث عنه لأنها ستسعد كثيراً عندما أهديه إليها".
وأعربت عن أملها بأن تشهد المنطقة مزيداً من الاستقرار، قائلة: "أتمنى أن تتوقف الحروب ويعم السلام، حتى أتمكن في العام المقبل من اصطحاب ابنتي الصغيرة التي تحلم بزيارة الأماكن المقدسة في العراق. نحن نعد العراق بلدنا الثاني، وما يقدمه العراقيون من كرم وخدمات للزوار لا نجد له مثيلاً في أي مكان، لذلك نحمل لهذا البلد كل المحبة والتقدير".
الأثر الاقتصادي
وفي قراءة للأثر الاقتصادي للموسم، يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي محمد الموسوي أن ظاهرة الباعة المتجولين تعد إحدى أبرز السمات التي ترافق زيارة الأربعين في النجف.
وقال الموسوي، لوكالة شفق نيوز إن "أعداد الباعة المتجولين داخل المدينة القديمة وعلى امتداد طريق الزائرين بين النجف وكربلاء يصعب حصرها بدقة، بسبب انتشارهم في مختلف المواقع".
وتابع قائلاً إن "مئات الباعة يفترشون الأرصفة وجوانب الطرق، فيما يحمل آخرون بضاعتهم على ظهورهم أو بأيديهم، متنقلين بين الزائرين لعرض الملابس والهدايا والعطور وغيرها من السلع التي تشهد رواجاً خلال الزيارة".
وأوضح أن "انخفاض أسعار السلع التي يبيعها هؤلاء لا يعني انخفاض أرباحهم، بل إن كثافة الإقبال خلال موسم الأربعين تمكن الكثير منهم من تحقيق عائد مالي جيد يساعدهم على تلبية احتياجاتهم المعيشية، ويجعل من الزيارة موسماً اقتصادياً مهماً لآلاف الأسر التي تعتمد على التجارة الموسمية كمصدر رئيس للدخل".
ومع اقتراب غروب الشمس، تستمر حركة البيع والشراء في أزقة المدينة القديمة، بينما تتدفق أفواج الزائرين نحو مرقد الإمام علي قبل أن تبدأ رحلتها سيراً على الأقدام باتجاه كربلاء.