شفق نيوز- بغداد/ أنقرة/ القاهرة

في وقت تتسارع فيه دول الشرق الأوسط نحو بناء ترتيبات أمنية ودفاعية جديدة، يبرز غياب العراق عن عدد من الاتفاقيات والتحالفات التي أعادت رسم جانب من خريطة الأمن الإقليمي خلال الأيام والأسابيع الأخيرة، رغم موقعه الجغرافي الذي يتوسط الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام، وثقله السكاني والعسكري وموارده في الطاقة.

ففي يوم الجمعة الماضي، 7 آب/ أغسطس الجاري، برزت إلى الواجهة اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، التي وُقعت في مكة المكرمة، ونصت، بحسب ما أعلنته الدول الثلاث، على اعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجوماً عليها جميعاً.

وقبل ذلك بأيام، كانت الرياض قد مضت في مسار أوسع لتشكيل تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، بعدما أعلنت في 30 تموز/ يوليو 2026 دعم 14 دولة مبادرة إنشاء التحالف، الذي تركز مهمته على حماية الملاحة وممرات الطاقة في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

وفي كلا المسارين، لم يكن العراق طرفاً في الترتيبات المعلنة، رغم أن أمن هذه الممرات والتوازنات التي تحيط بها تمس مصالحه السياسية والاقتصادية والأمنية بصورة مباشرة.

أسباب الغياب

وفي هذا السياق، يرى رئيس لجنة العلاقات الخارجية النيابية، عامر الفايز، أن غياب العراق عن الاتفاقية السعودية التركية الباكستانية لا ينبغي تفسيره بالضرورة باعتباره موقفاً سلبياً، موضحاً أن "كل اتفاقية لها ظروف وأسباب"، وأن الاتفاقية الثلاثية تخص الدول التي وقعتها، كما أن الدول الثلاث لم تدعُ جميع دول المنطقة للمشاركة فيها.

ويقول الفايز لوكالة شفق نيوز، إن العراق "يرحب بأي اتفاق يساعد على استقرار وأمن المنطقة وكذلك اقتصادياً"، مؤكداً أن السياسة العراقية تقوم على عدم الانخراط في سياسة المحاور.

ويضيف أن بغداد ترى في أي تفاهم إقليمي واسع يخدم الاستقرار فرصة لتحسين الأمن والاقتصاد في المنطقة، مشيراً إلى أن السياسة العامة للعراق تشجع اتفاقيات الاستقرار والتعاون الأمني والاقتصادي، وأن بإمكانه عقد اتفاقيات مع دول الجوار في المجالات الأمنية والاقتصادية، باستثناء إسرائيل.

وبحسب الفايز، فإن المنطقة "ملتهبة وفيها صراعات"، والخروج من هذه الحالة يمكن أن يتم عبر اتفاقيات مشتركة تخدم دول المنطقة، وهو ما يجعل بغداد، من وجهة نظره، أقرب إلى دعم الترتيبات الإقليمية التي تخفف التوتر من الانضمام إلى ترتيبات قد تضعها في أحد طرفي صراع.

توازن أم رمادية؟

لكن هذا التفسير السياسي لا يلغي سؤالاً آخر، هل العراق يختار البقاء خارج الأحلاف، أم أن ظروفه الداخلية والإقليمية تدفع الآخرين إلى بناء ترتيبات أمنية من دونه؟.

وفي هذا الجانب، يذهب الباحث السياسي، خالد العرداوي، إلى قراءة أكثر انتقاداً، إذ يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم امتلاك العراق، حتى الآن، سياسة خارجية واضحة ومتكاملة قابلة للتنفيذ.

ويقول العرداوي لوكالة شفق نيوز، إن السياسة الخارجية يفترض أن تنبع من عقيدة سياسية واستراتيجية شاملة للدولة، لكن هذه الاستراتيجية، حتى لو كانت موجودة على الورق، "ليست واضحة التنفيذ"، وهو ما يجعل العراق، في "المنطقة الرمادية" في العلاقات الدولية.

ويشرح أن الحكومة العراقية ليست قادرة بصورة كاملة على اتخاذ قرار خارجي مستقل في الملفات السياسية والأمنية والدفاعية من دون مراعاة مواقف الأطراف الخارجية، معتبراً أن ذلك ينعكس على قوة القرار العراقي.

ويشير إلى أن الصراعات السياسية الداخلية وتضارب الرؤى بشأن بناء الدولة والمجتمع تترك آثاراً مباشرة على السياسة الخارجية، فيما يضيف إلى ذلك ضعف المؤسسات الدستورية، وضغوط الأطراف السياسية، والفساد الإداري والمالي، ووجود السلاح خارج سلطة الدولة.

وبحسب العرداوي، فإن هذه العوامل تجعل الدول الإقليمية والدول الكبرى أقل اندفاعاً إلى توقيع اتفاقيات دفاعية طويلة الأمد مع العراق، بسبب شكوكها بشأن قدرة الحكومة العراقية على تنفيذ التزاماتها بصورة مستقرة.

جذور الابتعاد

وفي قراءة تتوافق مع هذا الطرح، يربط الباحث في الشأن السياسي، عادل الغريري، ابتعاد العراق عن الترتيبات الإقليمية بجملة من التحولات التي مر بها منذ عام 2003، إلى جانب الأزمات الداخلية التي أثرت في علاقاته بمحيطه العربي.

ويقول الغريري لوكالة شفق نيوز، إن المتغيرات الجيوسياسية والأزمات الداخلية، فضلاً عن انهيار المنظومة الأمنية عام 2014 وسيطرة تنظيم "داعش" على أراضٍ عراقية، والخلافات السياسية بشأن السلطة وشكل الدولة والنظام السياسي، أسهمت مجتمعة في إبعاد العراق عن محيطه العربي وعن تفاعلات الشرق الأوسط.

ويضيف أن الانقسام السياسي واتجاه القوى نحو الهويات الفرعية، إلى جانب عدم الاستقرار الأمني ووجود السلاح خارج إطار الدولة، جعلت القرار السياسي العراقي أكثر تعقيداً، وأضعفت قدرة بغداد على أن تكون طرفاً أساسياً في اتفاقيات الدفاع المشترك والتعاون الأمني، كما أوجدت إشكالات في علاقاتها مع دول المنطقة.

ويرى الغريري أن التشتت السياسي وغياب إرادة وطنية موحدة لإدارة الدولة، إلى جانب سياسة الابتعاد عن المحاور، أضعفا مكانة العراق الإقليمية وقدرته على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن الاتفاقيات الأمنية.

ويعتقد أن ذلك يتطلب إعادة توجيه السياسة العراقية نحو استعادة التوازن في علاقات بغداد مع دول المنطقة، مشيراً إلى أن توجه رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي، بحسب تقييمه، يمثل مساراً أقرب إلى إعادة العراق إلى موقعه المتوازن واستعادة مكانته بين دول المنطقة، بما يسمح له بأن يكون قطباً فاعلاً بين الأقطاب الإقليمية.

وبالعودة إلى خالد العرداوي، يرى أن ما حدث مع اتفاقية مكة يوضح هذه المعضلة، إذ لم يُدعَ العراق إلى الاتفاقية الثلاثية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام دول إقليمية أخرى للانضمام إليها مستقبلاً.

ويضيف أن العراق لن يصبح لاعباً فاعلاً ومؤثراً في العلاقات الإقليمية والدولية، ولا دولة تجذب الآخرين إلى إقامة اتفاقيات دفاعية معها، ما لم تُعالج البيئة الداخلية للقرار السياسي والأمني، وتتوحد مؤسسات الدولة حول قرار سيادي واضح.

تحالف أم إشارة؟

وتكتسب الاتفاقية السعودية التركية الباكستانية أهمية خاصة لأنها تجمع ثلاث دول ذات قدرات ومصالح استراتيجية متباينة.

وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية الباكستانية، فإن جوهر الاتفاق يقوم على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً عليها جميعاً. لكن النص الكامل للاتفاقية لم يُنشر، وهو ما يترك أسئلة أساسية بشأن طبيعة الرد المتوقع وآليات تفعيل بند الدفاع المشترك.

فالرياض تواجه تحديات أمنية مرتبطة بإيران والحوثيين، بينما ترتبط تركيا بملفات أمنية ونزاعات إقليمية مختلفة، وتواجه باكستان حسابات معقدة مع الهند وأفغانستان، فضلاً عن علاقتها الجغرافية والسياسية مع إيران.

كما أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، بينما تمتلك باكستان ترسانة نووية، وهو ما يضيف وزناً استراتيجياً للاتفاقية، لكنه لا يعني، وفق المعطيات المعلنة، وجود مظلة نووية سعودية أو تركية.

وتشير التصريحات السعودية والتركية والباكستانية إلى أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية، وليست موجهة ضد دولة بعينها، كما أنها لا تستهدف تشكيل كتلة عسكرية أو طائفية جديدة.

وقد تحدث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن إمكان توسيع التعاون ليشمل الصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب، وهو ما قد يمنح الاتفاقية بعداً عملياً يتجاوز بند الدفاع المشترك، خصوصاً مع تطور الصناعات العسكرية التركية وقدرتها المتنامية على إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ والمركبات المدرعة والذخائر.

في المقابل، توفر السعودية الموارد المالية والموقع الجغرافي المطل على البحر الأحمر والخليج، بينما تضيف باكستان خبرة عسكرية واسعة وثقلاً استراتيجياً بحكم امتلاكها السلاح النووي.

لكن تحويل هذه العناصر إلى منظومة دفاعية متكاملة يبقى رهناً بآليات التنفيذ.

عوائق الانضمام

وفي هذا الصدد، يرى المحلل السياسي التركي، جواد غوك، أن تفسير غياب العراق يرتبط ببعدين، داخلي وخارجي.

ويقول غوك لوكالة شفق نيوز، إن العراق يعتمد في استراتيجيته الخارجية مبدأ عدم الانحياز المباشر إلى أي محور عسكري، لأن الانضمام إلى مثل هذه الاتفاقيات قد يدفعه إلى الدخول في صراعات إقليمية لا يريد أن يكون طرفاً فيها.

ويشير إلى أن المنطقة تشهد توازنات شديدة الحساسية، من التوتر بين دول الخليج وإيران إلى التوتر بين تركيا وإسرائيل، فيما توجد داخل العراق نفسه توازنات سياسية وأمنية تجعل أي قرار من هذا النوع بالغ الحساسية.

ويضيف أن العراق يميل في المرحلة الراهنة إلى الاتفاقيات الثنائية ذات الطابع التنموي والاقتصادي بدلاً من الاستراتيجيات العسكرية الجماعية، وأن أي انضمام إلى ترتيبات أمنية جديدة يحتاج إلى وقت لتقييم مستقبلها وما إذا كانت ستخدم المصالح العراقية.

وهذا يتقاطع مع جانب من رؤية مدير منتدى تطوير الفكر العربي للأبحاث، أبو بكر الديب، الذي يرى أن ابتعاد العراق عن التحالفات الأمنية يرتبط بتداخل عوامل سياسية وأمنية وإقليمية، في ظل موقعه عند نقطة التقاء مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا والدول العربية.

ويشير الديب خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن الحفاظ على علاقات مع أطراف متنافسة يدفع بغداد إلى تجنب الخطوات التي قد تُفسر باعتبارها انحيازاً إلى طرف ضد آخر، فيما يزيد وجود فصائل مسلحة ذات نفوذ سياسي وعسكري من حساسية أي انضمام إلى ترتيبات أمنية إقليمية.

كلفة الغياب

لكن سياسة الابتعاد عن الأحلاف، رغم ما توفره من مساحة للمناورة، لا تخلو من كلفة.

ويقول الديب إن معظم مشاريع الدفاع الجوي المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق البحري والتدريبات العسكرية الكبرى تتم خارج الإطار العراقي، وهو ما قد يقلل فرص بغداد في تطوير قدراتها الدفاعية بالسرعة التي تتطور بها قدرات دول المنطقة.

كما أن غياب العراق عن طاولة الترتيبات الأمنية يعني، وفق الديب، أنه قد يجد نفسه متلقياً لنتائج التحولات الإقليمية بدلاً من أن يكون طرفاً في صياغتها.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع تحول الأمن في الشرق الأوسط إلى عنصر مرتبط مباشرة بالاقتصاد والطاقة والاستثمار والبنية التحتية.

فالدول التي تمتلك ترتيبات أمنية مستقرة وقابلة للتنبؤ تكون، في العادة، أكثر قدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل وحماية طرق التجارة والطاقة، بحسب الديب.

وفي هذا السياق، يأتي العراق أمام مفارقة واضحة، فهو أحد أكبر منتجي النفط في العالم وعضو في منظمة أوبك، ويقع عند تقاطع طرق بين الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام، لكنه لا يزال خارج عدد من الترتيبات الأمنية التي تعيد صياغة البيئة التي تتحرك فيها اقتصادات المنطقة.

نفوذ بلا تحالفات؟

في المقابل، لا تعني سياسة عدم الانحياز أن العراق بلا أوراق قوة.

فتقرير حديث لـ"معهد الدراسات الاستراتيجية" الباكستاني، نُشر في آب/ أغسطس الجاري، وصف العراق بأنه لم يعد مجرد ساحة للتنافس الإقليمي، بل أصبح لاعباً دبلوماسياً وفاعلاً في قطاع الطاقة وجسراً في الشبكة الاقتصادية للمنطقة.

ويرى التقرير الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، أن بغداد تمكنت خلال السنوات الأخيرة من بناء علاقات عمل مع أطراف متنافسة، بينها إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة وتركيا، الأمر الذي منحها مساحة أوسع لممارسة سياسة خارجية متوازنة والاضطلاع بأدوار الوساطة.

ويعتبر المعهد أن هذه المكانة تجعل العراق مهماً بالنسبة إلى باكستان، التي تبحث عن تنويع انخراطها في الشرق الأوسط.

وهنا تظهر صورة مختلفة للعراق، دولة قد لا تكون جزءاً من التحالفات الدفاعية الجديدة، لكنها تستطيع أن تستثمر موقعها كحلقة وصل بين دول لا تستطيع جميعها العمل ضمن تحالف واحد.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى العراق بالنظر إلى التطورات في اليمن والبحر الأحمر.

ففي 20 تموز/ يوليو 2026، أُعلن عن اتفاقية سعودية يمنية لتوريد مشتقات نفطية بقيمة تصل إلى 150 مليون دولار عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بهدف تشغيل محطات توليد الكهرباء وتأمين الخدمات الحيوية في المحافظات اليمنية.

وتوضح هذه التطورات كيف أصبحت ملفات الطاقة والتنمية والأمن مترابطة في المنطقة، خصوصاً في دول مثل اليمن التي تؤثر أوضاعها الأمنية مباشرة في أمن البحر الأحمر والممرات التجارية.

وبالنسبة للعراق، فإن الابتعاد عن الترتيبات الأمنية لا يعني بالضرورة الابتعاد عن آثارها؛ فأي اضطراب في البحر الأحمر أو الخليج أو طرق الطاقة ينعكس على التجارة وأسواق النفط والاقتصادات الإقليمية التي يرتبط بها العراق.

ماذا يريد العراق؟

وفي هذا السياق، يرى الفايز أن العراق يستطيع بناء اتفاقيات أمنية واقتصادية مع دول الجوار بما يتوافق مع مصالحه، في حين يرى غوك أن بغداد تحتاج إلى وقت لتقييم طبيعة التحالفات الجديدة قبل اتخاذ أي قرار بالانضمام إليها.

أما العرداوي فيضع المسألة في مستوى أعمق، إعادة بناء القرار العراقي نفسه، فمن وجهة نظره، لن يكون العراق قادراً على جذب الآخرين إلى اتفاقيات دفاعية معه، أو التفاوض بحرية على ترتيبات أمنية طويلة الأمد، ما لم يعالج مشكلات وحدة القرار السياسي والأمني، وفعالية المؤسسات، والفساد، والسلاح خارج سلطة الدولة.

وهنا تلتقي بعض هذه الرؤى مع طرح الديب الذي يرى أن العراق لا يحتاج بالضرورة إلى الاختيار بين محورين متنافسين.

ويقترح الديب بدلاً من ذلك نموذجاً يقوم على "الشراكات الأمنية المرنة"، عبر توسيع التعاون مع مصر والأردن ودول الخليج وتركيا في مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والأمن السيبراني وحماية منشآت الطاقة، من دون الانضمام إلى ترتيبات يمكن تفسيرها باعتبارها موجهة ضد دولة أخرى.

ويدعو في نهاية حديثه إلى تطوير القوات المسلحة العراقية ومنظومات الدفاع الجوي والصناعات العسكرية، وتعزيز العلاقات العربية للعراق مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاته مع إيران وتركيا والقوى الدولية.