شفق نيوز- بغداد/ الرياض/ صنعاء 

اتخذ رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، خلال الساعات الـ24 ساعة الماضية، سلسلة إجراءات أمنية وإدارية، تمثلت بإعفاء قائد عمليات ميسان العراقية، وعزل مديري الأجهزة الأمنية في المحافظة وإحالتهم إلى التحقيق، وتشكيل مجلس تحقيقي عاجل، وإغلاق عدد من المعابر الحدودية العراقية مع إيران وإخضاعها لترتيبات أمنية وإدارية جديدة، في محاولة لاحتواء تداعيات هجوم استهدف منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية.

وبدأت التطورات عقب ثبوت انطلاق المسيّرات من موقع داخل محافظة ميسان باتجاه خط أنابيب النفط السعودي "شرق-غرب" في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، في هجوم أعلنت السعودية مساء أمس الجمعة أنه تسبب بإصابات وأضرار مادية وأوقف الخط بصورة مؤقتة كإجراء احترازي.

وقالت وزارة الخارجية السعودية، في بيان إن المسيّرات كانت "قادمة من العراق"، وإن الرياض آثرت عدم الرد في هذه المرحلة بناءً على طلب الزيدي إتاحة الفرصة للحكومة العراقية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الاعتداءات المنطلقة من الأراضي العراقية تجاه المملكة ودول الجوار.

ودبلوماسياً، كثفت بغداد اتصالاتها مع الرياض، بالتزامن مع تأكيد رئيس الجمهورية نزار ئاميدي ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ورئاسة إقليم كوردستان رفض استخدام الأراضي والأجواء العراقية للاعتداء على دول الجوار، والدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، فيما أدانت البحرين والكويت ومصر والأردن ولبنان وقطر والجزائر الهجمات على السعودية.

مخاوف التصعيد

وعن الإجراءات العراقية، يقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، صكر المحمداوي، إن اللجنة تدين الهجمات على دول الجوار وتدعو إلى استقرار الوضع الأمني في العراق بما يحفظ المصالح المشتركة بين الدول.

ويضيف المحمداوي لوكالة شفق نيوز، أن الزيدي اتخذ إجراءات في ميسان، وأن لجنة لتقصي الحقائق وصلت إلى المحافظة، مشيراً إلى أن الجميع بانتظار نتائج التحقيق ومساره.

وبالتزامن مع التحقيقات في ميسان، أغلقت السلطات العراقية منافذ الشلامجة والشيب ومندلي مع إيران لإجراءات أمنية وإدارية وتحقيقات بشأن خروقات ونقل مواد مرتبطة بالمسيّرات، فيما وافق الزيدي على تحقيق مشترك مع طهران بشأن منصات إطلاق مسيّرات قرب الحدود.

في المقابل، نفت الفصائل المسلحة في العراق مسؤوليتها عن استهداف منشآت الطاقة السعودية، وأبدت استعدادها للمشاركة في أي لجنة تحقيق حكومية، منتقدة ما وصفته بتسرع الحكومة في تبني الاتهامات.

ويحذر المحمداوي من أن الوضع الداخلي يمثل أساساً لاستقرار البلاد والوضع الاقتصادي، فيما يمكن لأي ضربات خارجية أن تؤثر بصورة مباشرة على العراق.

ويؤكد النائب أن لجنة الأمن والدفاع "تقف بوجه أي ضربات تستهدف العراق من دول الجوار"، في إشارة إلى المخاوف من تكرار عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية رداً على هجمات تنطلق منها.

وكانت السعودية قد أعلنت أواخر تموز/ يوليو 2026 عن اعتراض مسيّرات قادمة من العراق باتجاه منشآت نفطية في المملكة، قبل أن تنفذ القوات السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضربات على مواقع لجماعات مسلحة في سبع محافظات عراقية، بينها البصرة.

هواجس سعودية

أما من الجانب السعودي، فيرى الكاتب السياسي في الشؤون الدولية، سامي المرشد، أن الهجوم يأتي في سياق أوسع من التوتر الإقليمي، معتبراً أن إيران سعت منذ سنوات إلى توظيف جماعات مسلحة حليفة لها في العراق واليمن للضغط على دول الخليج، ولا سيما السعودية.

ويقول المرشد لوكالة شفق نيوز، إن التعاون بين جماعة الحوثيين والفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق ظهر في مراحل مختلفة، وشمل جوانب إعلامية ولوجستية واستخبارية، مشيراً إلى أن العلاقة بين الطرفين وثيقة.

ويعرب المرشد عن أمله في ألا تسمح بغداد لهذه الفصائل بتحويل العراق إلى ساحة للاقتتال الداخلي أو الصراع الإقليمي، داعياً الحكومة العراقية إلى ضبط حدودها ومنع الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة من تنفيذ هجمات انطلاقاً من الأراضي العراقية.

ويضيف أن معالجة هذه المخاطر تتطلب سحب سلاح الفصائل الخارجة عن سيطرة الدولة ومحاسبة من يستهدف دول الجوار، محذراً من أن مثل هذه الهجمات قد تؤدي إلى تأزيم العلاقات بين الدول العربية، بما يخدم المشروع الإيراني في المنطقة.

ويؤكد المرشد أن المسؤولية تقع على الحكومة العراقية في ترسيخ سيادة البلاد، معتبراً أن الخطوة الأولى في ذلك تتمثل في حصر السلاح بيد الدولة.

المواجهة الحوثية 

وفي اليمن، يوضح عضو المجلس السياسي لجماعة الحوثيين، محمد البخيتي، أن التطورات تتجه لإطار مواجهة أوسع مع السعودية.

ويقول البخيتي لوكالة شفق نيوز، إن اليمن يخوض معركة ضد السعودية من أجل استعادة استقلاله، معتبراً أن التصعيد جاء بعد "العدوان السعودي" على مطار صنعاء وإنهاء حالة خفض التصعيد بين الطرفين.

ويضيف أن القوات الحوثية أعلنت فرض حصار بحري على السفن السعودية كخطوة أولى، وطرحت معادلة "التصعيد بالتصعيد".

وفي السياق أيضاً، أكد مساعد مدير دائرة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة اليمنية التابعة لسلطة الحوثيين عابد الثور، لوكالة شفق نيوز، السبت، أن التنسيق بين أطراف ما يعرف بـ"محور المقاومة" ما يزال قائماً، مشيراً إلى استمرار التعاون والعمليات المشتركة بين العراق وإيران ولبنان وفلسطين واليمن.

وتزامن ذلك مع تقارير عن تقدم ميداني للحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم على باب المندب، وهو ما أثار مخاوف بشأن أمن الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.

أبعاد إقليمية

بدوره، يرى الخبير الاستراتيجي، أحمد الشريفي، أن عملية المسيّرات تحمل أبعاداً تتجاوز الهجوم نفسه، لافتاً إلى تزامنها مع التصعيد الحوثي حول باب المندب.

ويقول الشريفي لوكالة شفق نيوز، إن التزامن قد يمثل رسالة على قدرة إيران وحلفائها على التحرك عبر جغرافيا تمتد من اليمن إلى العراق، ضمن إدارة أوسع للصراع مع الولايات المتحدة.

ويرى أن انطلاق المسيّرة من داخل العراق يفرض سؤالاً عن موقع محطة التحكم الأرضية، معتبراً أن عملية بهذا النوع تحتاج إلى توجيه واتصال مستمرين، وأن مدة الطيران قد تمتد لساعات بحسب المسافة والحمولة والسرعة.

ويعتبر أن هذه المعطيات تعكس مستوى عالياً من التحكم بالجغرافيا، وتحمل في الوقت نفسه أبعاداً سياسية إلى جانب بعدها العسكري.

ويضيف الشريفي أن توقيت العملية يمثل تحدياً للحكومة العراقية، التي كانت تدفع باتجاه التنمية والاستثمار والانفتاح على الشركات الأميركية، معتبراً أن انطلاق الهجوم من محافظة ميسان، وهي محافظة نفطية، يطرح أسئلة بشأن السيطرة على مناطق الإنتاج والبنية التحتية الحيوية.

كما يرجح الشريفي حضوراً روسياً وصينياً في المعادلة الإقليمية على مستوى التكنولوجيا والتسليح، مشيراً في الختام إلى تقارير عن حصول إيران على تقنيات وصور أقمار اصطناعية ودعم عسكري من قوى دولية.