شفق نيوز- ترجمة
لم تكن مشاهدة الأفلام في كرمانشاه، غربي إيران، ذات يوم مجرد وسيلة للترفيه، بل كان الذهاب إلى دور العرض السينمائي جزءاً أصيلاً من الحياة الحضرية، بدءاً من الصالات الأولى التي أبصرت النور مع دخول الكهرباء، وصولاً إلى سينما "استقلال" ذات الـ1070 مقعداً، التي تحولت إلى إحدى أكثر دور العرض في المدينة إثارة للذكريات.
ووفقاً لتقرير وكالة "فارس" الإيرانية، الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، فإن دور العرض السينمائي في كرمانشاه ليست مجرد رواية عن بضع صالات وشاشة فضية، بل هي جزء من التاريخ الثقافي لمدينة ارتبطت بهذا الفن والصناعة منذ السنوات الأولى لدخول الكهرباء، وشهدت على مدار ما يقرب من قرن افتتاح العديد من دور السينما؛ اختفى بعضها اليوم، وتغيرت استخدامات بعضها الآخر، بينما لا يزال عدد منها حاضراً في ذاكرة أهل المدينة.
وقال محسن دركه، الباحث التاريخي والناشط الثقافي في كرمانشاه: "بُنيت أول سينما في تاريخ إيران عام 1305 هـ.ش (1926)، بالتزامن مع دخول الكهرباء إلى طهران، بينما عرفت كرمانشاه الكهرباء عام 1309 هـ.ش (1930)".
وأضاف: "كان هارون اليهودي من الأشخاص الذين جلبوا الكهرباء لأول مرة إلى كرمانشاه، حيث نصب مولداً كهربائياً بجوار المسجد الجامع، وبعد ذلك بنحو عام، عرفت كرمانشاه أول سينما لها".
وحول أول سينما في كرمانشاه، تابع الباحث التاريخي: "تُعتبر (مصور الدولة)، وهي من ملاك الأراضي في العصر القاجاري ومن الشخصيات المثقفة في المدينة، أول من أسس سينما في كرمانشاه تحت اسم (عمارت سينماتوغراف فروهر) في شارع شاهبختي، وهو الشارع الذي كان يمتد من نطاق البلدية القديمة حتى تقاطع شريعتي الحالي".
وأضاف دركه: "كانت هذه السينما تُعد صالة حديثة في زمانها، وكانت تُعرض فيها الأفلام الثابتة، لكن لم يتبقَّ أي أثر لمبناها اليوم، ومع ذلك ظلت حاضرة في الذاكرة التاريخية للمدينة حتى عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي".
"باربد" وعصر الأفلام الصامتة
وعرّف دركه السينما الثانية في كرمانشاه باسم "باربد"، قائلاً: "كانت سينما باربد تقع في شارع جلوخان، وبجوار مجمع قدس التجاري، وتأسست عام 1312 هـ.ش (1933)، أي بعد عامين من سينما فروهر".
ووفقاً لدركه، كانت هذه السينما تعرض الأفلام الصامتة خلال فترة نشاطها، ومن بينها أعمال تشارلي تشابلن.
كما أشار الباحث إلى أن "أول ممثل للأفلام الصامتة الإيرانية، حبيب الله مراد، كان من أبناء كرمانشاه، ولاحقاً تأسست سينما باسمه (سينما مراد) في طهران عام 1333 هـ.ش (1954)".
وأضاف دركه: "حتى ذلك الحين، كانت سينمات كرمانشاه تعتمد بشكل أساسي على عرض الأفلام الصامتة، ومع احتلال الحلفاء لكرمانشاه عام 1320 هـ.ش (1941)، توقفت أنشطة السينمات، واستمر هذا الوضع حتى عام 1324 هـ.ش (1945)".
"ميتروبول".. سينما التهمتها النيران
ولفت دركه إلى بداية مرحلة جديدة للسينما في كرمانشاه خلال أربعينيات القرن الماضي، قائلاً: "بعد هذه الفترة، ظهرت سينمات أكثر حداثة في المدينة، وكانت (ميتروبول) إحداها؛ إذ بُنيت عام 1947 بالقرب من ساحة مصدق الحالية".
واستطرد قائلاً: "كانت سينما ميتروبول تُعد من أحدث سينمات كرمانشاه في وقتها، لكنها أُحرقت في 12 أغسطس/آب 1978، في ذروة التظاهرات ضد النظام البهلوي، ولم تُرمم بعد ذلك، وتحولت تدريجياً إلى أنقاض".
واستحضر سينما "ديانا" كإحدى السينمات القديمة الأخرى، قائلاً: "بُنيت هذه السينما في الخمسينيات، وكانت تقع في شارع دبير أعظم، بجوار فندق بيستون"، مبيناً أن "سينما ديانا كانت من أجمل وأكبر سينمات كرمانشاه، ويتكون مبناها من طابقين، إلا أن هذا المبنى لم يعد يُستخدم للسينما اليوم، وتحول إلى محال تجارية".
وبشأن سينما "إيران"، أكد الباحث: "بُنيت هذه السينما في الستينيات، واستمرت في عملها بعد الثورة تحت اسم (بيستون)، ثم (بهمن)، لكن مبناها هُدم في النهاية".
وذكر دركه سينما "مولان روج" من بين سينمات كرمانشاه، وهي التي بُنيت على الطراز الفرنسي، وكانت تعرض الأفلام الأجنبية في الغالب.
"أتلانتيك".. سينما من ثلاثة طوابق
وتابع: "ابتداءً من الستينيات وما بعدها، تسارعت حركة بناء السينمات الحديثة في كرمانشاه، وكانت سينما (أتلانتيك) في شارع سعدي إحداها، حيث بنتها عائلة خليلي، وهي من العائلات الثقافية في كرمانشاه، على نفقتها الخاصة".
وأضاف: "كانت سينما أتلانتيك مبنى مكوناً من ثلاثة طوابق، ومن السينمات المميزة في المدينة، وتغير اسمها بعد الثورة الإيرانية إلى (بيروزي)، واستمرت في العمل حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين".
كما أضاف: "هُدم مبنى هذه السينما عام 2017 بهدف إنشاء مجمع سينمائي في موقعها، لكن المشروع لم يتحقق حتى الآن، ولم يعد للموقع أي نشاط سينمائي".
واعتبر دركه سينما "شهر فرنج" من السينمات المهمة الأخرى في كرمانشاه، قائلاً: "بُنيت هذه السينما في السبعينيات على يد الراحل جواديان، الذي قدم خدمات جليلة لسينما كرمانشاه، ويُنسب تصميمها المعماري إلى السيد واحدي".
وأضاف أن "شهر فرنج كانت تعرض الأفلام الإيرانية غالباً، وتغير اسمها بعد الثورة إلى (سينما آزادي)، وما زالت تعمل حتى اليوم، وتعد من السينمات العريقة في المدينة".
لكن من بين السينمات التاريخية في كرمانشاه، تحتل "استقلال" مكانة خاصة، إذ كانت، وفقاً لدركه، واحدة من أكبر سينمات إيران وقت بنائها.
وبُنيت سينما استقلال عام 1977 على يد الراحل جواديان وعلى نفقته الخاصة، وكانت تتسع لـ1070 مقعداً، وكانت هذه الطاقة الاستيعابية كبيرة جداً بالنظر إلى عدد سكان كرمانشاه آنذاك، والبالغ نحو 250 إلى 300 ألف نسمة.
وعن أوضاع السينما بعد الثورة، قال دركه: "صودرت بعض السينمات بعد الثورة، ومع اندلاع الحرب المفروضة وما نتج عنها من ظروف اقتصادية واجتماعية، دخلت سينما كرمانشاه في فترة من الركود".
وأشار إلى أن السينما عادت للازدهار بعد الحرب، وكانت الأفلام الحربية تُعرض في سينما استقلال، حيث أثرت هذه الدار بشكل كبير في الثقافة السينمائية لسكان كرمانشاه خلال الثمانينيات والتسعينيات.
ولفت الناشط الثقافي إلى وضع السينمات في التسعينيات، قائلاً: "كانت سينما (بهمن) في حي دولتآباد إحدى السينمات النشطة في تلك الفترة، ولكن مع انتشار وسائل الإعلام المنزلية مثل الفيديو ثم الأقراص المدمجة (سي دي)، دخلت صناعة السينما في البلاد حالة من الركود، وأُغلقت سينما بهمن بعد بضع سنوات".
كما استعاد دركه ذكرى سينما "ركس" كواحدة من السينمات القديمة في كرمانشاه، قائلاً: "كانت سينما ركس تقع في شارع شريعتي، في موقع مبنى البريد الحالي، وكانت تضم سينما صيفية أيضاً".
من 10 صالات إلى 3 صالات نشطة فقط
ولخص دركه تاريخ السينما في كرمانشاه قائلاً: "قبل الثورة، كانت كرمانشاه تضم نحو 10 صالات سينما حديثة، إلى جانب صالات العرض والمسارح النشطة، ولكن بعد الثورة والحرب ثم التحولات الإعلامية، واجهت السينما مرحلة من الركود".
ويرى الباحث أنه رغم كل التغيرات، لا يزال بإمكان السينما لعب دور مهم في الثقافة العامة، وإذا توفرت البنية التحتية المناسبة، فسيستقبلها الجمهور بحفاوة.
وقال دركه: "للسينما دور بالغ الأهمية في تربية الأطفال والعائلات، وهي مكان ثقافي، وصناعة السينما تؤدي دوراً كبيراً في الثقافة والتربية، واليوم لا يقتصر الأمر على الفن فحسب، بل يمتد إلى التجارة وتحقيق الأرباح".
وبحسب الإحصاءات الواردة في التقرير، تملك كرمانشاه اليوم، رغم طاقاتها الثقافية، ثلاث سينمات فقط، تضم ثماني صالات و1247 مقعداً نشطاً، وهي طاقة استيعابية تتخلف بفارق كبير عن المتوسط الوطني في البلاد.
السينما.. رابط بين الفن وعلم النفس
لا يرى دركه السينما مجرد أداة للترفيه، بل يعتقد أن هذا الفن يرتبط بعمق بمجالات أخرى كعلم النفس والتحليل النفسي.
وأوضح: "ترتبط السينما بعلاقة وثيقة جداً بعلم النفس، كما أن التحليل النفسي يتشابك مع صناعة الأفلام؛ ولهذا فإن فهم شخصية المشاهد وسلوكه وعقليته يمكن أن يؤثر في إنتاج فيلم ناجح".
وأضاف الباحث أنه "في العديد من الأعمال التي شاهدها الأطفال عبر المراحل المختلفة، كانت الشخصيات الرئيسية من الأطفال أو الحيوانات؛ لأن الطفل يستطيع التماهي مع الحيوانات، وهذا يوضح مدى أهمية علم النفس في السينما".
من جانبه، أكد مظفر تيموري، المدير العام للثقافة في محافظة كرمانشاه، إمكانات السينما في مجالي الثقافة والهوية، قائلاً إن "السينما أداة للتعبير عن الهوية الوطنية والقيم الوطنية، وباعتبارها فناً متعدد الأبعاد، فإنها تمتلك قدرة عالية على التأثير".
ووفقاً لتيموري، فإن السينما اليوم لها مبرراتها الاقتصادية، وإذا أولينا هذا المجال اهتماماً خاصاً، يمكننا التمهيد لتفعيل المزيد من السينمات على مستوى المحافظة، لافتاً إلى انخفاض عدد السينمات والصالات في المحافظة مقارنة بالمتوسط الوطني.
وأعلن تيموري عن خطط لزيادة عدد الصالات والمقاعد السينمائية في المحافظة، متابعاً: "نسعى لإعادة تشغيل السينمات في مدن جوانرود، وإسلامآباد غرب، وقصر شيرين".
واليوم، وفي اليوم الوطني للسينما، تستحضر كرمانشاه هذا الماضي العريق، في وقت يذكّر فيه الفارق بين زمن كانت تمتلك فيه 10 سينمات حديثة واليوم الذي لا تنشط فيه سوى ثلاث، بضرورة استعادة السينما لمكانتها الحقيقية في المشهد الثقافي للمدينة ومدن المحافظة؛ وهي استعادة إذا ما اقترنت بتطوير البنية التحتية، ودعم الإنتاج، والاهتمام باقتصاد السينما، فقد تسطر فصلاً جديداً للشاشة الفضية في كرمانشاه.