شفق نيوز- ترجمة خاصة 

تتكاتف عوامل الجفاف البيئية والإهمال الحكومي وتوسع الصناعة النفطية، في تدمير حياة العراقيين في أهوار الحويزة وتخريب سبل عيشهم واقتلاعهم، بحسب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني الذي تناول المخاطر التي تهدد هذه الأراضي الرطبة القديمة المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، والمعترف بها كمهد للحضارة الإنسانية والملاذ الفريد للتنوع البيولوجي.

وتناول الموقع البريطاني في تقرير له، ترجمته وكالة شفق نيوز، تجربة عائلة حليمة فليّح في قرية أبو خصاف، حيث تداعى جزء من سقف منزلهم بسبب سنوات من المناخ القاسي والإهمال، فيما الأرض متصدعة وجافة بسبب المناخ المتقلب، وهو حالة تفاقمت بسبب سلسلة من قرارات الدولة التي منحت الأولوية لاستخراج النفط مقابل، الاحتياجات البيئية لهذه المنطقة الحساسة. 

وأشار التقرير إلى أن فليّح وعائلتها يرفضون المغادرة ويعتزمون تحويل إحدى الغرف الفارغة المتداعية إلى ما يشبه المعلم التذكاري للماضي المرتبط بحياتهم التي عاشوها بوئام يوما ما على أطراف أهوار الحويزة، حيث سيعرض متحفهم الصغير الذي يخططون لاقامته، ثقافة الأهوار التقليدية، بما في ذلك الحصائر المنسوجة يدويا من القصب البري، وشبكات الصيد المصنوعة من خيوط القطن، والمجاذيف، والزورق الضيق الذي يستخدم للتنقل في ممرات المياه المحلية.

وبحسب التقرير فإن فليّح تأمل في إنشاء أرشيف مرن لمجتمع جرى دفعه إلى حافة الهاوية، وهو لن يكون مجرد مجموعة من القطع الأثرية، وإنما سيكون بمثاببة تعبير عن موقف أخير ضد المحو الدائم لهوية "شعب المعدان" وهم سكان الأهوار.

ونقل التقرير عنها قولها ان "هذه الغرفة هي امتداد حي لكل ما تحملته انا وعائلتي.. والسبب الوحيد الذي يجعلنا نبقى.. ونريد من كل زائر أن يرى الرابط العميق الذي نتشاركه مع هذه الأرض.. وحماية التراث الذي حملناه عبر القرون، قبل أن يضيع الى الأبد".

ولفت التقرير إلى أن الأهوار نجت طوال آلاف السنين من خلال العلاقة الحساسة والتكافلية بين النظام البيئي والسكان المحليين، وخصوصا النساء اللواتي شكل عملهن منذ فترة طويلة العمود الفقري الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع، لافتا إلى أن النساء من خلال حلب الجاموس لانتاج كريمة القيمر، إلى نسج الحصائر وسحب شباك الأسماك لبيعها في الأسواق الحضرية المجاورة، حافظن على أسرهن منذ أجيال، إلا أن أسلوب الحياة هذا صار اليوم عرضة لخطر التلاشي.

وبحسب التقرير، فإن سنوات الجفاف دمرت المناظر الطبيعية الهشة في منطقة يمكن أن تقترب فيها درجات الحرارة من 50 درجة مئوية خلال فصل الصيف، بينما أدت انشطة التنمية، بما في ذلك سدود المنبع وتوسيع المرافق النفطية، إلى زيادة خنق تدفق المياه إلى هذه الأراضي الرطبة الحيوية.

وذكر التقرير أن بعض السكان يعتقدون أنه يتم طردهم بشكل متعمد من أجل افساح المجال أمام الصناعات الثقيلة. ونقل التقرير عن مصطفى فليّح، قوله إن "السدود الترابية التي بنيت (من جانب الدولة) لحماية آبارها ومرافقها، تمنع المياه عنا، وتستهلك عملياتها المخصصات المائية"، مشيرا إلى أنه يجب على عائلته حاليا أن تشتري مياه الشرب لتلبية احتياجاتهم اليومية. وتابع قائلاً إنهم "أخذوا ثروات أرضنا، وتركونا لشراء قطرة ماء".

واستند التقرير إلى بحث نشره مركز الشرق الأوسط التابع لكلية لندن للاقتصاد في آذار/مارس الماضي، أظهر أن وجود حاجز ترابي ضخم أقيم حول المستنقعات في العام 2022، بمبادرة حكومية كإجراء لمكافحة تهريب المخدرات عبر الحدود، أدى إلى تقليص تدفق المياه بشكل كبير، وكانت عواقبه واضحة حيث حل الغبار مكان المياه، وانهار القصب، ومرضت قطعان الجاموس، ودفعت مجتمعات بأكملها نحو النزوح.

وتابع التقرير أن الباحثين خلصوا إلى أنه جرى طرد مئات العائلات من أربع قرى محلية في السنوات الأخيرة، ووصفوها بأنها "كارثة مصممة"، مشيراً إلى أنه بحلول العام 2024، كان خمس السكان النازحين بيئيا في العراق من محافظة ميسان، حيث تقع أهوار الحويزة.

وتناول التقرير كيف أن عقدا منح لشركة "جيو جاد بيتروليوم" الصينية لتطوير حقل في الأهوار، يتداخل مع المنطقة المحمية من قبل يونسكو بمقدار 300 كيلومتر مربع.

وتابع التقرير استنادا إلى وثائق حصل عليها "ميدل ايست آي" أنه في آذار/مارس 2025، أرسلت الشركة العراقية للتنقيب عن النفط رسالة تطلب من وزارة الموارد المائية تسهيل العمل الاستكشافي في مستنقعات الحويزة، بما في ذلك إنشاء مسارات بعرض 10 أمتار وحفر نقاط الطاقة، لافتا إلى أن رسالة لاحقة من وزارة الموارد المائية تفيد بأن موقع العمل المطلوب يتداخل مع المنطقة الأساسية المحمية من قبل يونسكو.

لكن التقرير نقل المسؤول في وزارة الموارد المائية حسين الكناني، قوله إن الدولة تراقب بنشاط البنية التحتية لحماية النظام البيئي، مضيفا أنه "اذا ثبت أن أي سدود ترابية أو منشآت نفطية تعيق تدفق المياه أو تحول المسارات الطبيعية، فإنه يتم إصدار توجيهات لوقف تلك الأنشطة وتصحيح الأضرار"، مشيراً إلى أن مياه التغذية التي تزود الأهوار "لا تستخدم في عمليات حقن النفط". 

ولفت التقرير إلى أن السكان المحليين يتحدثون عن واقع مختلف تماما، حيث أنه في قرية أبو خصاف، يقولون إن العائلات تنفق ما يصل إلى 60 ألف دينار (45 دولار) يوميا على شاحنات نقل المياه الصغيرة. ونقل التقرير عن ناشط بيئي قوله "استمر الجفاف لمدة 9 شهور دون قطرة مياه في النهر".  

كما نقل عن فليّح، قوله: "نسحب المياه بأنفسنا.. ولم نتلق قط قطرة واحدة من الناقلات الممولة من الدولة. الحقيقة هي أنهم يتركوننا لشراء بقائنا الخاص". 

وأشار التقرير إلى تزايد المعارضة بين النشطاء المحليين، الذين يحذرون من أن التنقيب عن النفط يخاطر بتخريب كنز بيئي، لافتا إلى أن منظمة إنقاذ دجلة زجهت رسالة إلى اليونسكو في نيسان/أبريل الماضي، تشير إلى أنه بسبب هشاشة النظام البيئي للاهوار، فانمثل هذه الأنشطة "سيكون لها تأثير مدمر". 

وتابع التقرير أن الدستور العراقي يكفل لجميع المواطنين الحق في العيش في بيئة صحية، مع الحفاظ على التنوع البيولوجي في البلد، إلا أن مراقبين يقولون إن الدولة معرضة الآن لخطر انتهاك هذه الالتزامات، سواء من خلال السماح لشركات النفط بالتعدي مباشرة على الأهوار، أو من خلال تأجيج تلوث الهواء.  

ووفقا لمنظمة "باكس" غير الحكومية التي تتخذ من هولندا مقرا لها، فإنه توجد العشرات من مصادر التلوث في محافظة ميسان، مما يولد تأثيرا مناخيا سنويا يعادل 22 مليون طن متري من ثاني أوكسيد الكربون. ولفت أيضا إلى أن شركة "آي كيو إير" السويسرية لتكنولوجيا جودة الهواء، صنفت العراق في المرتبة 11 الأكثر تلوثا في العالم في العام 2025. 

ونقل التقرير عن المتحدث باسم وزارة البيئة العراقية أمير حسون قوله إن الحكومة تراقب الانتهاكات التي ترتكبها شركات النفط وآثارها على الصحة، وتصدر تحذيرات قانونية لعدم الامتثال، لكنه لم يقدم بيانات محددة عن عدد التحذيرات الصادرة خلال العام الماضي أو ما إذا كانت الشركات قد خضعت لها في نهاية الأمر.

ومع ذلك اضاف حسون أن حماية الأهوار والمجتمعات المحيطة بها من خلال الالتزام بالمعايير البيئية العالمية هي أولوية رئيسية لوزارة البيئة، لكنه لم يقدم اجوبة على أسئلة محددة تتعلق بالتهديد الذي يشكله التنقيب عن النفط داخل اهوار الحويزة.

وقال التقرير إنه في حين تخوض عائلة فليّح معركة قاسية للبقاء في أرضهم، فقد تم بالفعل طرد آلاف الآخرين من الأهوار الجنوبية إلى مساحة لا ترحم من الزحف العمراني.

وتابع قائلاً إنه استنادا إلى بيانات العام 2024، فقد نزح أكثر من 140 الف شخص في جميع أنحاء وسط وجنوب العراق بسبب العوامل المناخية والبيئية، وتضررت أكثر من 23 ألف عائلة. 

 ومن بين هؤلاء أبو قاسم وأم قاسم، اللذان أجبرا على الرحيل في العام 2022 بعد نفوق قطيع الجاموس، واستقرا في منطقة شبه زراعية على مشارف مدينة العمارة، واستأجروا مع ابنائهم منزلا بـ200 دولار شهريا. 

ونقل التقرير عن أم قاسم قولها: "يبدو الأمر وكأنني ألقيت في بلد اجنبي - وهو اغتراب بالكاد أستطيع التعبير عنه بالكلمات.. لم نعتاد على هذه الحياة بتاتا، أو أضواء المدينة هذه، أو الطرق، أو طريقة العيش بأكملها. لقد قضينا حياتنا في جنة هادئة ومعزولة حيث نادرا ما مرت سيارة واحدة. الانتقال إلى هنا عطل كل ما نعرفه".