شفق نيوز- بغداد
في مشهد ثقافي لافت، تحول معرض بغداد الدولي للكتاب إلى مساحة تتجاوز عرض العناوين وبيع المؤلفات، ليصبح ملتقى للقراء والناشرين والكتّاب من العراق ودول عربية وأجنبية، وسط حضور جماهيري لافت عكس، بحسب المشاركين، تنامياً في الاهتمام بالكتاب والبحث عن الإصدارات المتخصصة والنادرة.
وبين أجنحة تتوزع فيها الكتب العربية والأجنبية، ورفوف تستعرض عناوين في الأدب والتاريخ والعلوم والدراسات الأكاديمية، بدا المعرض أشبه بخريطة ثقافية تجمع تجارب مختلفة تحت سقف واحد.
ولم يقتصر الحضور على جمهور العاصمة، إذ شهد المعرض مشاركة قراء من محافظات عراقية عدة، في مشهد أعاد طرح سؤال حول علاقة العراقيين بالكتاب ومدى قدرة المعارض الثقافية على إعادة القراءة إلى موقعها في الحياة العامة.
وللوقوف على طبيعة هذه المشاركة وحجم الإقبال وما يبحث عنه القارئ العراقي، التقت وكالة شفق نيوز، عدداً من أصحاب دور النشر والكتّاب والمشاركين في المعرض، لرصد انطباعاتهم وما حملته مشاركتهم من أهداف وتجارب.
إصدارات متخصصة
من بين المشاركين، جاء ممدوح علي أحمد محمد من جمهورية مصر العربية، صاحب دار الحرم للنشر والتوزيع، حاملاً مجموعة من الإصدارات المتخصصة التي تستهدف، بشكل رئيسي، طلبة الدراسات العليا والباحثين في اللغة العربية.
ويقول محمد لوكالة شفق نيوز، إن مشاركة الدار تركز على الكتب والرسائل العلمية المتخصصة، ولا سيما ما يتعلق بطلبة الماجستير والدكتوراه والباحثين في مجال اللغة العربية.
ويضيف أن الإقبال على هذه الإصدارات كان جيداً منذ بداية المعرض، مع وجود طلبات متعددة على عناوين متخصصة، متوقعاً أن يرتفع حجم الإقبال مع استمرار فعاليات المعرض.
وأشار إلى أن القارئ العراقي "متذوق"، ولا سيما شريحة المثقفين وطلبة الدراسات العليا، ويمتلك اهتماماً واضحاً بالكتب المتخصصة، لافتاً إلى أن الدار رصدت طلباً على عناوين وصفها بالمهمة والثمينة، يمكن أن يستفيد منها الباحثون وطلبة الجامعات العراقية.
حضور فلسطيني
ولم تقتصر المشاركات على دور النشر، إذ حضرت القضية الفلسطينية في عدد من الإصدارات والروايات المعروضة.
الأديبة نجوى شمعون من غزة في فلسطين، شاركت في المعرض بمجموعة من رواياتها ومؤلفاتها التي تتناول جوانب مختلفة من التجربة الفلسطينية، ولا سيما قصص الأسرى والشهداء والواقع الفلسطيني.
وتقول شمعون لوكالة شفق نيوز، إن مشاركتها جاءت لعرض نتاجها الأدبي والتعريف بمؤلفاتها أمام القارئ العراقي والعربي، مؤكدة أنها لمست إقبالاً جيداً من الزوار والقراء على إصداراتها.
وترى أن أهمية المعرض لا تتوقف عند عرض الكتب، بل تمتد إلى الفعاليات الثقافية المصاحبة، مبينة أنها شاركت، على هامش المعرض، في ندوات أقيمت بالتعاون مع اتحاد الأدباء العراقيين، معتبرة تلك المشاركات فرصة لتبادل الخبرات والأفكار بين المثقفين العرب والعراقيين.
كما ترى أن المعرض شكل فرصة لفتح أبواب جديدة للتعاون الثقافي بين الدول العربية، في ظل وجود كتّاب وناشرين من تجارب وبيئات ثقافية مختلفة.
تعاون إيراني في الطباعة والنشر
ومن إيران حضرت نوال عسكري، صاحبة مطبعة إيرانية، بهدف مختلف نسبياً، إذ لم تقتصر مشاركتها على عرض المنتجات، وإنما سعت إلى بناء جسور تعاون في مجال طباعة الكتب والنشر.
وتوضح عسكري لوكالة شفق نيوز، أن مشاركتها جاءت بهدف فتح مجالات للتعاون مع العراق والدول العربية، مبينة أن عملها يتركز على طباعة الكتب باستخدام أساليب حديثة، مع تقديم جودة جيدة وأسعار تنافسية.
وتقول إن المشاركة أتاحت لها فرصة للتعاون مع عدد من المشاركين، فضلاً عن تواصلها مع أدباء عراقيين يرغبون في طباعة كتبهم وإصداراتهم.
وترى أن هذا النوع من التعاون يمكن أن يتحول إلى شراكات مستمرة تتجاوز أيام المعرض، خصوصاً مع وجود طلب متنوع على خدمات الطباعة، التي تختلف تكلفتها وفقاً للكميات المطلوبة وطبيعة الأعمال المراد تنفيذها.
توثيق الذاكرة السياسية
وفي زاوية أخرى من المعرض، حضرت مؤسسة السجناء السياسيين من خلال جناح خصص لإصدارات توثق جانباً من تاريخ العراق الحديث وتجارب المعتقلين والمعارضين السياسيين خلال حقبة النظام السابق.
ويقول د. أحمد صدام إن جناح المؤسسة يضم كتباً متنوعة تسرد معاناة السياسيين الذين تعرضوا للاضطهاد خلال تلك الحقبة، مشيراً إلى أن هذه الإصدارات تسعى إلى توثيق تجارب إنسانية وسياسية عاشها العراقيون.
ويضيف أن بعض إصدارات المؤسسة تتميز بندرتها، وأنها جاءت بأقلام كتّاب نقلوا في مؤلفاتهم شهادات وتجارب عن معاناة العراقيين، بهدف حفظها وتوثيقها للأجيال المقبلة.
وتكشف هذه المشاركات أن معرض بغداد الدولي للكتاب أصبح نقطة التقاء بين مسارات ثقافية متعددة؛ فهناك القارئ الذي يبحث عن كتاب، والباحث الذي يبحث عن مرجع، والكاتب الذي يريد الوصول إلى جمهور جديد، والناشر الذي يسعى إلى توسيع سوقه، والمؤسسات التي تعمل على حفظ الذاكرة وتوثيقها.
وبين الرواية الفلسطينية، والكتب الأكاديمية المصرية، وخدمات الطباعة الإيرانية، والإصدارات العراقية التي توثق الذاكرة السياسية، تتشكل صورة لمعرض يعيد للكتاب دوره بوصفه وسيلة للمعرفة والحوار والتواصل بين المجتمعات.
وانطلقت فعاليات معرض بغداد الدولي للكتاب بدورته السابعة والعشرين، مساء الأربعاء الثاني من ايلول الجاري، بمشاركة واسعة لأكثر من 600 دار نشر محلية وعربية وأجنبية.