شفق نيوز- متابعة 

أفادت صحيفة "لو موند" الفرنسية، بأن العديد من الدول الأفريقية بدأت اعتماد استراتيجيات جديدة للتكيف مع درجات الحرارة القياسية التي تضرب القارة بوتيرة متزايدة. 

وبحسب تقرير الصحيفة، فإن الاستراتيجيات تشمل أنظمة الإنذار المبكر، وتوسيع المساحات الخضراء، واستخدام مواد عاكسة للحرارة في المباني، فضلاً عن تعديل ظروف العمل في المشاريع الكبرى لحماية العمال من الإجهاد الحراري.

وشهدت أفريقيا الغربية ومنطقة الساحل خلال عام 2024 مستويات حرارة غير مسبوقة تراوحت بين 40 و50 درجة مئوية خلال الموسم الحار الممتد من شهر آذار/مارس إلى أيار/مايو، متجاوزة المعدلات التاريخية المسجلة في القارة، في مؤشر جديد على تسارع تأثيرات التغير المناخي.

وأشار التقرير إلى أن درجات الحرارة التي تجاوزت 45 درجة مئوية دفعت السلطات في بوركينا فاسو، إلى إطلاق نظام وطني للإنذار المبكر وخطة وقائية تحت شعار "اشرب الماء وابقَ على قيد الحياة"، بعدما تعرضت المستشفيات لضغوط كبيرة وارتفعت الوفيات بين كبار السن خلال موجات الحر الأخيرة.

وبحسب التقرير، تُفعَّل الخطة عندما تتجاوز درجات الحرارة 42.4 درجة مئوية لمدة 3 أيام متتالية، وتشمل حملات توعية عبر وسائل الإعلام المحلية، وزيارات ميدانية للفئات الأكثر عرضة للخطر، إضافة إلى توزيع المياه في الأحياء الفقيرة وتقديم إرشادات للسكان بشأن الحد من التعرض المباشر للشمس وتجنب الأعمال الشاقة خلال ساعات الذروة.

وفي السنغال، وسّعت السلطات خلال العام الجاري برامجها الخاصة بمواجهة التأثيرات الصحية للحرارة الشديدة لتشمل مختلف أنحاء البلاد، بعدما كانت تتركز سابقاً في المناطق الشمالية والشرقية الأكثر تأثراً.

التوسع في المدن 

وتأتي هذه الإجراءات في وقت تشهد فيه أفريقيا نمواً حضرياً متسارعاً، إذ تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن عدد سكان المدن في القارة مرشح للارتفاع من نحو 700 مليون نسمة حالياً إلى 1.4 مليار نسمة بحلول عام 2050، ما يضاعف الضغوط على المدن ويزيد من هشاشتها أمام الظواهر المناخية المتطرفة.

ويحذر خبراء من أن التوسع العمراني السريع، خصوصاً في الأحياء غير المنظمة، يسهم في تفاقم ظاهرة "الجزر الحرارية الحضرية"، حيث ترتفع درجات الحرارة داخل المدن بشكل يفوق المناطق المحيطة بها.

حلول مبتكرة

ولفت تقرير الصحيفة الفرنسية، إلى أنه في مواجهة هذه التحديات، بدأت عدة مدن أفريقية اختبار حلول منخفضة التكلفة للحد من ارتفاع درجات الحرارة داخل المنازل.

ومن بين هذه المبادرات مشروع تقوده جامعة "كيب تاون" في جنوب أفريقيا يعتمد على طلاء أسطح المنازل بمواد عاكسة لأشعة الشمس، بهدف خفض درجات الحرارة وتحسين ظروف المعيشة في المناطق الأكثر فقراً.

جيبوتي و"التشجير" 

في جيبوتي، التي تسجل أكثر من 66 يوماً سنوياً بدرجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، تعمل السلطات بالتعاون مع المركز العالمي للتكيف على تحديد مواقع جديدة للتشجير وإعادة تأهيل الحدائق والمساحات العامة التي تراجعت بفعل التوسع العمراني.

ويقول خبراء إن إعادة إدماج الطبيعة في المدن أصبحت من أكثر الوسائل فاعلية وأقلها كلفة للحد من تأثير موجات الحر المتزايدة، خاصة في المناطق التي يصعب فيها فرض معايير بناء حديثة على الأحياء العشوائية.

مشاكل البنية التحتية

وشدد التقرير على أن تداعيات الحرارة الشديدة لا تقتصر على الصحة العامة والتخطيط الحضري، بل تمتد أيضاً إلى مشاريع البنية التحتية والنقل.

ففي موريتانيا، تُعد درجات الحرارة المرتفعة أحد أبرز التحديات التي تواجه مشروع تحديث خط السكك الحديدية المخصص لنقل خام الحديد بين مدينة الزويرات وميناء نواذيبو، والذي يمتد لأكثر من 700 كيلومتر.

وأوصى خبراء المركز العالمي للتكيف بتوفير مياه الشرب بالقرب من مواقع العمل ومنح العمال فترات راحة منتظمة خلال موجات الحر، إلى جانب اعتماد بروتوكولات طوارئ عند وصول مستويات الحرارة والرطوبة إلى درجات خطرة قد تؤدي إلى ضربات شمس قاتلة.

الكلفة الاقتصادية

وأكدت الصحيفة أن موجات الحر تمثل تحدياً متنامياً للاستثمارات العامة في القارة، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تسريع تدهور الطرق والبنية التحتية.

وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع حرارة سطح الأسفلت إلى مستويات تفوق 59 درجة مئوية يؤدي إلى تآكل سريع للطرق ويقلص العمر التشغيلي للمعدات الإلكترونية المستخدمة في شبكات النقل الحديثة، ما يرفع تكاليف الصيانة ويزيد الأعباء المالية على الحكومات.

ويرى خبراء المناخ أن التكيف مع موجات الحر لم يعد خياراً، بل ضرورة اقتصادية وتنموية ملحّة في ظل الخسائر البشرية والمالية المتزايدة التي تتكبدها الدول الأفريقية جراء الظواهر المناخية المتطرفة.

"القاتل الصامت" 

مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، باتت موجات الحر، التي توصف غالباً بـ"القاتل الصامت"، تتصدر أولويات السياسات المناخية في أفريقيا، إلى جانب الفيضانات والجفاف والأعاصير.

وتطالب الحكومات الأفريقية بزيادة التمويل الدولي المخصص للتكيف المناخي، مؤكدة أن القارة، رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، تتحمل جانباً كبيراً من تداعيات الأزمة المناخية العالمية.