شفق نيوز - كركوك

لا تقف محطة قطار كركوك بوصفها مبنى خدمياً قديماً فحسب، بل كواحدة من أبرز الشواهد على تاريخ المدينة السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إذ ارتبطت لعقود بحركة السفر والتجارة، وحفظت بين أرصفتها قصص أجيال ومحطات مفصلية من تاريخ العراق، بينها مرور الزعيم الكوردي الراحل ملا مصطفى البارزاني.

واليوم، وبعد سنوات من التراجع والتوقف، يعود الحديث مجدداً عن إحياء هذا الصرح التاريخي وتحويله إلى مركز اقتصادي ولوجستي يعيد لكركوك جزءاً من دورها الحيوي.

البداية.. حين ربط القطار كركوك بالعراق والمنطقة

تأسست محطة قطار كركوك ضمن مشاريع توسعة شبكة السكك الحديدية العراقية خلال العقود الأولى من القرن العشرين، عندما اتجهت الدولة إلى ربط المدن الرئيسة بخطوط نقل حديثة.

وبفعل موقع كركوك الجغرافي وثقلها الاقتصادي، ولا سيما في قطاع النفط، اكتسبت المحطة أهمية استثنائية، لتتحول إلى نقطة ربط بين وسط العراق وشماله، ومحطة عبور للمسافرين والبضائع.

ويقول علي الحمزلي، أحد سكان منطقة المحطة القديمة في كركوك، لوكالة شفق نيوز، إن المحطة القديمة كانت تقع في منطقة حمزلي قرب القاعدة الجوية، قبل نقلها لاحقاً إلى موقعها الحالي.

وأضاف أن المحطة ارتبطت بأحداث سياسية بارزة، من بينها مرور الزعيم الكوردي الراحل ملا مصطفى البارزاني عام 1970، خلال مرحلة أعقبت اتفاقية 11 آذار بين الحركة الكوردية والحكومة العراقية آنذاك.

البارزاني مرّ من هنا

لم يكن مرور البارزاني حدثاً عابراً في ذاكرة المدينة، بل لحظة بقيت حاضرة لدى كثير من أهالي كركوك، إذ تحولت المحطة في تلك المرحلة إلى مساحة استقبال ورمز سياسي يعكس أهمية كركوك في المعادلة العراقية.

ويمنح هذا الحدث للمحطة بعداً يتجاوز دورها الخدمي، لتصبح جزءاً من سردية المدينة وتاريخها المعاصر.

ذاكرة أجيال وحركة لا تهدأ

بالنسبة لسكان كركوك، لم تكن المحطة مكاناً للسفر فقط، بل فضاءً يومياً تلتقي فيه العائلات والمسافرون والتجار.

ولا يزال كبار السن يستذكرون صفارات القطارات والرحلات الطويلة نحو بغداد والموصل، فيما كانت الأسواق المحيطة تنتعش مع حركة القادمين والمغادرين.

كما لعبت السكك الحديدية دوراً مهماً في دعم النشاط الاقتصادي، خصوصاً مع توسع القطاع النفطي، عبر نقل العمال والمعدات والبضائع، ما جعل المحطة جزءاً من الدورة الاقتصادية للمحافظة.

خط يصل إلى سوريا

ويقول المتخصص بالشأن التاريخي للمنطقة أحمد البياتي، لوكالة شفق نيوز، إن خط السكك الحديدية كان يربط كركوك بمحافظات صلاح الدين وديالى وبغداد جنوباً، فيما يمتد شمالاً نحو نينوى وصولاً إلى مدينة حلب السورية.

وأضاف أن هذا الامتداد منح كركوك موقعاً مهماً على خارطة النقل والتجارة، وجعلها محطة رئيسة في حركة الربط الداخلي والخارجي.

سنوات التراجع والصمت

رغم هذا التاريخ، تعرضت المحطة شأنها شأن كثير من البنى التحتية العراقية إلى الإهمال والتراجع بفعل الحروب وتضرر شبكات النقل.

كما أدت الظروف الأمنية بعد عام 2003، ثم أحداث سيطرة تنظيم داعش وما رافقها من تخريب طال أجزاء من الخط الحديدي، إلى توقف شبه كامل لحركة القطارات منذ عام 2014.

ومنذ ذلك الحين، غابت الصفارات التي اعتادها أهالي المدينة، وبقيت المحطة حاضرة في الذاكرة أكثر من حضورها في الواقع.

مشاريع إحياء وطموح اقتصادي

وفي الاونة الأخيرة، عاد ملف محطة قطار كركوك إلى الواجهة مع تصاعد الحديث عن استثمار موقعها وإعادة تشغيلها.

وقال رئيس مجلس محافظة كركوك محمد إبراهيم الحافظ، خلال مشاركته في افتتاح معرض الاستثمار والعقار الثاني الذي عقد امس داخل المحطة، إن هناك مشروعاً مقترحاً لربط السكك الحديدية في كركوك مع الدول المجاورة.

وأكد أن المشروع يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز مكانة كركوك كمركز اقتصادي وتجاري، وتحويلها إلى محور لوجستي مهم يربط العراق بمحيطه الإقليمي.

وأشار إلى أن المحطة ليست مجرد مرفق خدمي، بل صرح تاريخي يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في دعم الاستثمار والتنمية.

بين التراث والتنمية

ويرى مراقبون أن محطة قطار كركوك تمتلك فرصة نادرة لتكون جزءاً من مشروع مزدوج يجمع بين الحفاظ على إرثها التاريخي وتحويلها إلى مركز اقتصادي حديث، على غرار محطات عالمية أُعيد إحياؤها كمراكز تجارية وسياحية.

وبين ذاكرة الماضي وطموحات المستقبل، يترقب أبناء كركوك اليوم عودة الحركة إلى محطتهم القديمة، لا بوصفها وسيلة نقل فحسب، بل رمزاً لاستعادة الحياة إلى واحد من أبرز معالم المدينة التاريخية.