شفق نيوز- دمشق
تنبض أزقة دمشق القديمة بحكايات التاريخ التي ترويها سواعد أبنائها، وفي عمق سوق "مدحت باشا" الشهير، ما تزال ورشات صناعة القوالب والأدوات الخشبية اليدوية تقاوم الحداثة، متمسكة بأصالة تتجلى في تفاصيل الخشب العتيق الذي يرفض غزو البدائل البلاستيكية والمعدنية.
هذه المهنة العريقة، التي تمتد جذورها إلى قرون خلت عندما كانت دمشق مركزاً تجارياً وحرفياً رائداً في الشرق، تعتمد كلياً على مهارة فطرية يتوارثها الأحفاد عن الأجداد.
وتبدأ القصة من اختيار الكتلة الخشبية الملائمة، حيث يفضل الحرفيون الدمشقيون خشب الجوز والزان والمشمش، نظراً لصلابتها الفائقة وقدرتها العالية على مقاومة الرطوبة، ناهيك عن مرونتها أثناء الحفر والنقش، ما يمنح قوالب المعمول والملاعق التراثية عمراً يدوم لعقود دون أن تتشقق أو تفقد تفاصيل زخرفتها البديعة.
تحديات معاصرة
تواجه هذه الصنعة اليوم تحديات جمة تكاد تعصف بوجودها، يتصدرها الارتفاع الحاد في أسعار الأخشاب المحلية والمستوردة، وتراجع عدد الشبان الراغبين في تعلم أسرارها نتيجة التوجه نحو المهن التكنولوجية الحديثة.
ويقول أبو سامر، صاحب إحدى الورشات العتيقة في سوق مدحت باشا، متحدثاً لوكالة "شفق نيوز": "نعمل في هذه المهنة منذ سنوات طويلة، وهي من الحرف التقليدية التي اشتهرت بها دمشق وتوارثناها عن الآباء والأجداد، نقوم بصناعة القوالب والأدوات الخشبية يدوياً، وهذه المهنة تحتاج إلى دقة وصبر وخبرة كبيرة في اختيار الخشب وتشكيله".
وتابع قائلاً: "اليوم نواجه تحديات عديدة أبرزها ارتفاع أسعار المواد الأولية ومنافسة المنتجات الصناعية، لكننا ما زلنا متمسكين بها لأنها جزء من تراثنا وهويتنا الدمشقية".
نبض الأعياد وهوية لا تموت
وتستعيد الورشات ألقها الاستثنائي مع اقتراب مواسم الأعياد، ولا سيما عيدي الفطر والأضحى، وفي هذه الأوقات، يتحول السوق إلى خلية نحل مع ارتفاع الطلب على قوالب المعمول الخشبية، إذ تجد العائلات السورية في نقوشها اليدوية سحراً خاصاً لا يمكن للآلات الصماء محاكاته، فتغدو تلك الأدوات جزءاً لا يتجزأ من طقوس الفرح والبهجة المنزلية.
تبقى ورشات "مدحت باشا" أكثر من مجرد أماكن للإنتاج، إنها متاحف حية تصون الذاكرة البصرية والاجتماعية لمدينة دمشق، وتؤكد أن اللمسة الإنسانية المطبوعة على الخشب ستبقى عصية على النسيان مهما دارت عجلة الآلات المصنعة.