شفق نيوز- النجف

مع اقتراب أمطار الشتاء، تبدأ عائلة عادل محسن استعداداتها لرحلة البحث عن حجر "در النجف" في البادية، حيث تكشف الأمطار عن حبيباته بين الرمال والحصى، فيما تمنحها أشعة الشمس بعد انقشاع الغيوم بريقاً يلفت الأنظار.

ولا تقتصر أهمية الحجر على مظهره، إذ يحظى بمكانة خاصة لدى كثيرين، فيُقتنى للتبرك ويُهدى بين الزوار وعائلاتهم وأصدقائهم، كما يتخذه بعض رجال الدين خاتماً، ليبقى جزءاً من الموروث الشعبي والديني المرتبط بمدينة النجف.

بداية الموسم

ويقول عادل محسن، لوكالة شفق نيوز، إن الاستعدادات تبدأ مع اقتراب الشتاء، عبر تهيئة المركبة ومستلزمات البحث وتحديد المناطق المستهدفة، بعد جولات استكشافية في بادية النجف.

ويضيف أن عائلته المؤلفة من خمسة أفراد تشكل فريقاً متكاملاً، يتوزع أفراده بين البحث وجمع الأحجار وفرزها، مشيراً إلى وجود فرق أخرى تنتشر في مناطق متفرقة من البادية.

ويوضح محسن أن الأحجار تُغسل بعد جمعها وتُنظف من الأتربة، ثم تُفرز بحسب ألوانها ودرجة صفائها، مبيناً أن القطع الأكثر شفافية تكون أعلى قيمة وسعراً وأسرع بيعاً في الأسواق.

من جانبه، يشير عبدالله رحيم، للوكالة، إلى أن البحث لا يقتصر على العائلات والفرق المتخصصة، بل يشارك فيه أيضاً رعاة الأغنام من البدو الرحل، الذين يجمعون الأحجار خلال تنقلهم في البادية ويبيعونها للباحثين.

ويلفت رحيم إلى أن الرحلات قد تسفر أحياناً عن العثور على أحجار كريمة أخرى تتجاوز قيمتها "در النجف"، ما يضيف احتمالات مختلفة إلى موسم البحث.

من الخام إلى الخواتم

وبعد جمعها، تنتقل الأحجار إلى محال بيع الأحجار الكريمة في المدينة القديمة وسط النجف، حيث تُفرز وتُجهز وتُصقل لتتحول إلى خواتم ومقتنيات.

ويقول حيدر الخفاجي، صاحب محل لبيع الأحجار الكريمة، لوكالة شفق نيوز، إن المحال تشتري "در النجف" بصورته الخام من فرق البحث والبدو الرحل، موضحاً أن الحجر يمر بخمس مراحل قبل بيعه، من أبرزها الجرخ والتلميع.

وبحسب صاحب المحل، فإن بعض القطع تُنقش عليها أسماء أو آيات قرآنية بحسب طلب الزبائن.

هوية الحجر وأنواعه

ويوضح الخفاجي أن مصدر الحجر هو المعيار الذي يعتمده العاملون في المهنة لتحديد هويته، إذ يشترط أن يكون مستخرجاً من الحدود الجغرافية لمحافظة النجف، رغم وجود أحجار مشابهة في محافظات مجاورة.

وينبه إلى أن له أنواعاً متعددة، منها الدر النفطي والمخبوط والصافي، تختلف خصائصها وقيمتها بحسب النوع ودرجة الصفاء والمظهر.

ولم تعد تجارة "در النجف" محصورة بالمحال في المدينة القديمة، بل امتدت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتيح عرض الأحجار والتعريف بأنواعها والوصول إلى زبائن خارج المحافظة.

ويقول الخفاجي إن أصحاب المهنة باتوا يستقبلون طلبات الشراء عبر المنصات الإلكترونية، ويوفرون التوصيل إلى مختلف المناطق من خلال شركات متخصصة.

وهكذا تبدأ رحلة "در النجف" من تلال البادية، حيث تبحث عنه العائلات والفرق ويجمعه البدو الرحل، لتنتهي في محال المدينة القديمة بعد صقله ونقشه، حاملاً صلة بين أرض الصحراء وموروث النجف الشعبي والديني.