لم تكن مفردة البيشمركة في الوجدان الكوردستاني يوماً مجرد مسمى لقطعات عسكرية، بل صيغت فلسفتها من اندماج مقطعي بيش (أمام) ومَرگ (الموت) لتجسد أولئك الذين يواجهون الموت فداءً للأرض والكرامة، منذ أن أعلن الزعيم التاريخي الخالد الملا مصطفى بارزاني ولادة المؤسسة العسكرية الأولى لجمهورية مهاباد عام 1946 مروراً بملاحم ثورة أيلول التحررية عام 1961 وصولاً إلى الانتفاضة والشرعية الدستورية، ظلت هذه القوة الحارس الخالد لوجود الإقليم وفي قلب هذا التاريخ، تتجلى الرمزية المرجعية للرئيس مسعود بارزاني، القائد الذي اختار دوماً أن يُعرّف نفسه بلقب البيشمركة قبل أي موقع سيادي أو قيادي، إن حضور الرئيس مسعود بارزاني ليس مجرد مظلة سياسية بل هو المرجعية العقائدية والأخلاقية للبيشمركة والضامن الروحي الذي شهد بنفسه الانتقال التاريخي من بندقية الجبل وسُهاد الخنادق إلى صرح الدولة والمؤسسات، واليوم يأتي الإعلان الرسمي في 21 أيلول/سبتمبر 2026 بإنهاء وجود أي قوة خارج إطار وزارة شؤون البيشمركة ليُترجم رؤية مرجعيته العليا، فنشهد لحظة مهيبة يتداخل فيها دم الشهداء بعظمة الإنجاز لينقل البيشمركة من شرف مواجهة الموت حمايةً للبقاء إلى شرف مأسسة القوة وصناعة السلام الدائم.

أبعاد الزمان والمواقف القيادية: إن تزامن هذا الإعلان السيادي في 21 أيلول/سبتمبر مع الذكرى الرابعة لتوقيع مذكرة التفاهم بين وزارة البيشمركة ووزارة الدفاع الأمريكية (21 أيلول 2022) يحمل رسالة دبلوماسية مكثفة للمجتمع الدولي والتحالف الدولي مفادها أن كوردستان شريك استراتيجي موثوق يفي بتعهداته الإصلاحية ويصون مؤسساته الدفاعية وفق أرفع المعايير العالمية.

مرجعية البيشمركة (الرئيس مسعود بارزاني).. تُشكل رؤيته وتوجيهاته المباشرة نقطة التحول المفصلية في هذا المنجز التاريخي؛ فهو أول من وضع اللبنة الأولى والركيزة الأساسية لعملية الإصلاح الهيكلي وتوحيد التشكيلات المسلحة في وزارة البيشمركة. وقد تحولت إرادته القومية والوطنية إلى رافعة استراتيجية ألغت كل أشكال التشتت والازدواجية، مرسخاً مبدأً صارماً ومُطلقاً بأن البيشمركة ملكٌ خالص لشعب كوردستان بجميع مكوناته، وأن مأسستها وتحويلها إلى جيش نظامي موحد هما التجسيد الحي والوفاء الأسمى لأرواح الشهداء الأبرار الذين قدموا أرواحهم لتظل كوردستان حرة، آمنة، ومرفوعة الرأس.

رئيس إقليم كوردستان (السيد نيجيرفان بارزاني).. جسّد في كلمته مقام الرئاسة والقيادة العليا للقوات المسلحة، مبيّناً الأبعاد الدستورية والوطنية العميقة لهذا التحول التاريخي، وأكد بوضوح أن إنهاء مظاهر التشتت وحصر كافة التشكيلات والأجهزة الدفاعية تحت الرعاية المباشرة والمظلة المؤسساتية للوزارة ليس مجرد إجراء تنظيمي بل هو تجسيد حي لإرادة شعب كوردستان في ترسيخ سيادة القانون وبناء جيش نظامي عقائدي يحمي التعايش السلمي وصون جميع المكونات دون استثناء، كما أرسل رسالة سياسية ودبلوماسية حاسمة مفادها أن الاستقرار المؤسساتي للبيشمركة هو القاطرة التي تنقل الإقليم إلى آفاق الحوكمة الشاملة وتعزز موقع كوردستان كركيزة أمنية لا غنى عنها في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي.

رئيس حكومة إقليم كوردستان (السيد مسرور بارزاني).. صاغ الرؤية الاستراتيجية والتنفيذية بصلابة واقتدار واصفاً المناسبة بـ اليوم التاريخي لكوردستان واليوم الخاص جداً لشخصه، باعتباره إيفاءً بعهد استراتيجي قطعته الكابينة الحكومية التاسعة في برنامجها الوزاري وبيّن أن هذا الإنجاز جاء بـ توجيه وإشراف مباشر من الرئيس مسعود بارزاني وبجهود مشتركة مع رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني ونائب رئيس الحكومة السيد قوباد طالباني والدول الحليفة كما طرح خريطة طريق مستقبليّة تُحدد التوحيد كنقطة انطلاق لبناء جيش احترافي يعتمد المعايير العسكرية الدولية موجهاً خطاباً سياسياً ودستورياً مباشراً لرئيس الوزراء الاتحادي علي فالح الزيدي يؤكد فيه أن البيشمركة هي ركيزة حماية النظام الدفاعي العراقي مما يرتب على بغداد التزاماً دستورياً غير قابل للتأجيل بصرف كامل مستحقاتها المالية ورواتبها.

معالم التحول المؤسسي للبيشمركة

تجلت ترجمة هذا القرار التاريخي عبر خطوات إدارية وعسكرية وميدانية دقيقة أعلنت عنها وزارة شؤون البيشمركة ويمكن إيجاز أرقامها وهيكليتها المؤكدة في المحاور التالية:

- إلغاء المسميات السابقة واستحداث القيادات المنطقة.. التصفير النهائي لمقرات وهياكل الوحدتين (70 و80) وتحويل قطعاتها الميدانية رسمياً إلى قيادتي منطقتين عسكريتين نظاميتين يرتبطان إدارياً وعملياتياً برئاسة هيئة الأركان في الوزارة.

- دمج القوات وتأطير الفرق العسكرية.. شملت العملية دمج وتنظيم أكثر من 45,000 إلى 50,000 مقاتل ضمن ألوية مشتركة ومستحدثة بلغت 15 لواءً نظامياً، يجري توزيعها وإلحاقها بتشكيل 4 إلى 6 فرق عسكرية موحدة تعمل وفق معايير القيادة والسيطرة الحديثة.

- التوحيد المالي والإداري الحصري.. إنهاء جميع الحسابات والميزانيات المستقلة للتشكيلات السابقة وأيلولة جميع ملفات الرواتب، الترقيات، والتجهيزات اللوجستية إلى المديرية العامة للمالية والإدارة في وزارة البيشمركة.

- الالتزام بخطة الإصلاح مع التحالف (35 نقطة).. يمثل هذا الإنجاز التطبيق العملي الكامل لبنود خطة الإصلاح الـ 35 المتفق عليها مع وزارة الدفاع الأمريكية والتحالف الدولي مما يؤمن استمرار التسليح والتدريب والدعم المالي الدولي للمؤسسة العسكرية الموحدة.

كيف يقوي التوحيد مكانة كوردستان؟

- العبور الناجز من التشكيلات غير النظامية إلى الجيش القومي النظامي: إن إنهاء التبعيات العسكرية الحزبية يمنح الإقليم جيشاً موحداً يمتلك قيادة وسيطرة مركزية مما يعزز هيبة كوردستان ويرفع من ثقلها التفاوضي والسياسي في بغداد وفي جميع العواصم الإقليمية والدولية.

- سحب الذرائع وتكريس الشرعية الدستورية: بهذا التوحيد المكتمل، يفي الإقليم بكافة متطلبات الدستور العراقي ليضع السلطات الاتحادية أمام مسؤولياتها القانونية والتسليحية المباشرة تجاه قوات البيشمركة باعتبارها حارساً دستورياً لسيادة البلاد.

- ترسيخ الشراكة الدولية والأمن الاستثماري: تقديم مؤسسة عسكرية موحدة يزيد من ثقة التحالف الدولي والدول الكبرى بالاستقرار السياسي والأمني داخل كوردستان مما ينعكس بشكل مباشر على جلب الاستثمارات العالمية ودعم الازدهار الاقتصادي.

توصيات سيادية واستراتيجية المرفوعة إلى:

● رئاسة إقليم كوردستان — القائد الأعلى لقوات البيشمركة

● رئاسة حكومة إقليم كوردستان ومجلس الوزراء

● برلمان كوردستان

الغرض... ترسيخ الرمزية الوطنية، وصناعة العنوان الجيوسياسي لمرحلة الجيش القومي الموحد.

لضمان تحويل هذا الاستحقاق التاريخي من قرار تنفيذي إلى مسار استراتيجي مُمأسس، ونظراً لاختصاص وصلاحيات مرجعيتكم الموقرة في رسم السياسات الدفاعية والتشريعية، نرفع إلى أنظاركم التوصيات السيادية التالية للاسترشاد والاعتماد:

إعلان يوم البيشمركة (Rojî Pêşmerge) مناسبة وطنية وسيادية

- الصلاحية والإجراء (الرئاسة والبرلمان).. إصدار مرسوم رئاسي ومشروع قانون برلماني يُقر يوم 21 أيلول/سبتمبر مناسبةً وطنية وعطلة رسمية سنوية باسم يوم البيشمركة، تُضمّ رسمياً إلى الأعياد السيادية للإقليم (كيوم العلم والزي القومي) لتكون رمزاً للانتقال إلى مرحلة المؤسسة الدفاعية الموحدة.

- المظاهر السيادية.. تنظيم استعراض عسكري سنوياً للتشكيلات الموحدة تحت علم كوردستان حصراً يتضمن أداء قسم الولاء المؤسساتي واستحداث وسام البيشمركة للبسالة والتوحيد لتقليد المتميزين وعوائل الشهداء.

إطلاق قوات كوردستان لحفظ السلام (PKPF) لتأطير البُعد الدولي

- الصلاحية والإجراء (رئاسة الإقليم ووزارة البيشمركة).. إعادة تسمية وتأهيل ألوية النخبة ضمن القوات الموحدة بمسمى قوات كوردستان لحفظ السلام والاستجابة السريعة Kurdistan Peacekeeping Forces.

- الأثر الدبلوماسي.. تقديم هذه التشكيلات للأمم المتحدة والشركاء الدوليين كقوة نظامية مدربة وفق معايير القانون الدولي الإنساني لحماية المكونات والتعايش السلمي بما يُكرّس موقع الإقليم كصانع وركيزة للاستقرار الإقليمي.

دمج العقيدة القتالية ومأسسة الرعاية الاجتماعية

- الصلاحية والإجراء (مجلس الوزراء ووزارة البيشمركة):

* الأكاديمية العسكرية الموحدة.. توحيد كافة الكليات والمعاهد العسكرية تحت مظلة أكاديمية نظامية واحدة تُرسي العقيدة القتالية للمقاتل الكوردستاني على أسس الاحترافية والولاء الوطني المباشر للمؤسسة.

* صندوق الوفاء.. تأسيس صندوق سيادي مستقل بقرار من مجلس الوزراء يضمن التكفل الصحي والاجتماعي والمالي الشامل والمتساوي لجميع جرحى وشهداء البيشمركة بعيداً عن أشكال الروتين الإداري.

إن إنجاز توحيد البيشمركة ومأسستها يُمثّل لحظة فارقة في تاريخ كوردستان الحديث، إذ يتجاوز حدود القرار العسكري الداخلي ليُشكل تحوّلاً جيوسياسياً يطبع ملامح الإقليم كصانع استقرار وركيزة توازن في المنطقة، لقد انتقل الإقليم بهذه الخطوة السيادية من منظومة إدارة البقاء إلى صناعة الدولة، مُقدماً نموذجاً متقدماً في الحوكمة الأمنية والامتثال للدستور والالتزامات الدولية.

سياسياً ودبلوماسياً، يضع هذا التحول المؤسسي كوردستان في موقع تفاوضي أقوى، فهو يُجرّد الخطابات المناوئة من أوراق التشكيك بسيادة القانون داخل الإقليم ويفرض على السلطات الاتحادية في بغداد والشركاء الدوليين التعاطي مع المنظومة الدفاعية لكوردستان ككيان نظامي أصيل لا غنى عنه لصيانة الأمن الإقليمي. إن حصر السلاح تحت المظلة المؤسساتية للوزارة هو الرسالة الأبلغ للعالم بأن كوردستان شريك استراتيجي موثوق حريص على السلم وقادر على ترجمة التضحيات التاريخية لشعبه إلى صرح مؤسسي مستدام يحمي الحاضر ويصون مستقبل الأجيال القادمة.