كل أمة تتذكر اليوم الذي أعلنت فيه نفسها حرة. بالنسبة إلى العراق، كان ذلك اليوم في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1932، عندما انتهى الانتداب الأجنبي ودخل العراق عصبة الأمم دولةً ذات سيادة، متساوية مع سائر الدول. أما بالنسبة إلى أوكرانيا، فإن ذلك اليوم هو 24 أغسطس/آب. وفي هذا العام، تحيي أوكرانيا الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلالها.
أبدأ هذا المقال بتاريخ عراقي عن قصد. هنا، بين نهري دجلة والفرات، ضغطت يد بشرية لأول مرة قصبةً على الطين الرطب، فولدت الكتابة إلى العالم. وهنا دُوّنت قصة جلجامش، أقدم قصة لا تزال البشرية تقرؤها. والعراق يفهم، أكثر من معظم البلدان، حقيقة بسيطة: الشعوب التي كتبت نفسها في التاريخ لا تختفي.
وقد تعلّم الأوكرانيون هذه الحقيقة بالطريقة الأصعب. فلفترة طويلة جداً، جرى إقصاء لغتنا من المطبوعات، ومن الفصول الدراسية، ومن الاستخدام اليومي، بحيث يتمكن شخص ما لاحقاً من الادعاء بأنه لم يكن هناك شعب منفصل أصلاً.
خمسة وثلاثون عاماً ليست فترة طويلة بالنسبة إلى دولة تمتد جذور كيانها السياسي وثقافتها إلى أكثر من ألف عام. ومع ذلك، حملت هذه العقود الثلاثة والنصف الكثير: بناء مؤسسات ديمقراطية، وتحولات اقتصادية واجتماعية، وثورتين دفاعاً عن الحرية، وفي نهاية المطاف صراعاً من أجل حق دولتنا ذاته في الوجود.
ولهذا السبب، لم يعد عيد الاستقلال بالنسبة إلى الأوكرانيين مجرد تاريخ على التقويم. إنه اليوم الذي نسأل فيه أنفسنا ماذا يعني الاستقلال فعلاً، وما الذي يمكن أن يكلفنا الحفاظ عليه. Article-Ukraine35_Eng.docx
في عام 1991، اتخذ الأوكرانيون خيارهم سلمياً وديمقراطياً. ففي 24 أغسطس، أعلن البرلمان الأوكراني استقلال البلاد. وفي الأول من ديسمبر من العام نفسه، أكد أكثر من 90 في المئة ممن شاركوا في الاستفتاء الشعبي ذلك القرار.
وعندما استعادت أوكرانيا استقلالها، لم تستولِ على أراضي أي دولة أخرى، ولم تقدم مطالبات إقليمية ضد جيرانها، ولم تهدد أحداً. لقد اختارت بناء دولة ذات سيادة ضمن حدود معترف بها دولياً، وأن تقرر مستقبلها بنفسها.
واليوم، وبعد خمسة وثلاثين عاماً، يجد الأوكرانيون أنفسهم مضطرين للدفاع عن ذلك الخيار بأرواحهم.
لم يبدأ العدوان الروسي على أوكرانيا بسبب نزاع إقليمي. فالأسباب أعمق من ذلك بكثير: إنها عدم الرغبة في قبول حق الأوكرانيين في امتلاك دولتهم الخاصة، بل وعدم قبول الأوكرانيين أنفسهم كشعب مستقل ومتميز.
ولهذا تحديداً، فإن الحرب تتعلق بما هو أبعد بكثير من أوكرانيا. فالسؤال الذي وضعته أمام العالم بسيط: هل يمكن إعادة رسم حدود دولة مستقلة بالقوة العسكرية؟ وهل يمكن لدولة أقوى أن تقرر أن أمة أخرى لا حق لها في الوجود باسمها؟
بالنسبة إلى أوكرانيا، الإجابة واضحة بذاتها. وأنا واثق من أنها ليست أقل وضوحاً بالنسبة إلى الشعب العراقي.
يتوق الأوكرانيون إلى السلام، ربما أكثر من أي شعب آخر، فقد مست هذه الحرب كل عائلة في بلادنا. واضطر الملايين إلى مغادرة منازلهم، وتحولت مدن وقرى إلى أنقاض، وتعرضت المستشفيات والمدارس ومنشآت الطاقة للقصف، وقُتل آلاف المدنيين.
لكن السلام لا يمكن أن يعني قبول مبدأ تتم فيه مكافأة العدوان.
يجب أن يقوم السلام الدائم على القانون الدولي، واحترام السيادة، وميثاق الأمم المتحدة. وإلا فإن ما يُقدم اليوم باعتباره «تسوية» لحرب واحدة قد يتحول غداً إلى دعوة لحرب أخرى، في مكان آخر من العالم. Article-Ukraine35_Eng.docx
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الواقعة خارج أوروبا. فأوكرانيا لا تقبل أن يكون النظام الدولي مقسماً إلى مناطق تطبق فيها قواعد مختلفة.
لا يمكن أن تكون السيادة مقدسة في الشرق الأوسط وقابلة للتفاوض في أوروبا الشرقية، أو العكس. كما لا يمكن أن تعتمد سلامة الأراضي على حجم جيش الدولة، أو موقعها الجغرافي، أو هوية المعتدي.
إما أن تحمي هذه المبادئ الجميع، أو أنها في النهاية لن تحمي أحداً.
تولي أوكرانيا أهمية كبيرة لعلاقاتها مع جمهورية العراق. وقد أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 16 ديسمبر/كانون الأول 1992، بعد وقت قصير من اعتراف العراق بأوكرانيا المستقلة.
ومنذ ذلك الحين، التقى شعبا البلدين في الجامعات والمستشفيات وقطاع الأعمال أكثر مما التقيا في قاعات البروتوكول؛ فقد درس عدد كبير من الأطباء والمهندسين العراقيين في الجامعات الأوكرانية، فيما عمل متخصصون أوكرانيون لعقود في مشاريع مختلفة في أنحاء العراق. Article-Ukraine35_Eng.docx
واليوم، لدينا الكثير لنقدمه لبعضنا البعض، ولا أقصد بذلك قائمة القطاعات الواردة في بروتوكول حكومي مشترك.
أوكرانيا تكتسب خبرات لم تكن أي دولة تتمنى أن تضطر إلى اكتسابها: حماية البنى التحتية الحيوية تحت القصف، وإعادة تشغيل أنظمة الطاقة المتضررة بسرعة، وإزالة الألغام من الأراضي، وإعادة تأهيل الجرحى، وإعادة بناء المجتمعات في ظروف بالغة الصعوبة.
أما العراق، فلديه من جانبه خبرته التي اكتسبها بشق الأنفس في إعادة الإعمار والعودة إلى الحياة الطبيعية. هذه المعرفة لا تُباع، بل تُشارك. ومجتمعاتنا لديها الكثير لتتعلمه من بعضها البعض.
بالنسبة إلينا، الاستقلال ليس مفهوماً سياسياً مجرداً. إنه حقك في التحدث بلغتك، والحفاظ على ثقافتك، واختيار حكومتك وتغييرها، والجدال والاختلاف، والسفر، وبدء عمل تجاري، وتربية أطفالك من دون أن تقرر دولة أخرى ما هي جنسيتهم أو أي تاريخ ينبغي أن يدرسوه.
وبعبارة أخرى، الاستقلال هو الحق في أن تعيش حياتك بنفسك.
ولهذا، فإن الأوكرانيين يحتفلون في 24 أغسطس/آب بطريقة مختلفة عن السابق، قبل الغزو الروسي الشامل في عام 2022. هناك فخر، لكن هناك أيضاً ذكرى: ذكرى الذين قاتلوا من أجل حريتنا في الأجيال السابقة، والذين سقطوا منذ بدء العدوان الروسي، والجنود الذين يدافعون اليوم عن مدننا وعائلاتنا، والمدنيين الذين قطعت الحرب حياتهم العادية.
ومع ذلك، فإن عيد الاستقلال الخامس والثلاثين هو، قبل كل شيء، إعلان ثقة بالمستقبل.
فالدولة الأوكرانية لا تزال تعمل بصورة كاملة: مؤسساتها تؤدي وظائفها، واقتصادها ينتج، والأطفال يذهبون إلى المدارس، والمزارعون يزرعون ويحصدون، وملايين الأوكرانيين يخططون لحياة داخل وطنهم.
لم يكن هدف العدوان مجرد الاستيلاء على الأراضي، بل كان أيضاً إقناعنا وإقناع العالم بأن أوكرانيا المستقلة مجرد ظاهرة مؤقتة.
وبعد خمسة وثلاثين عاماً، ورغم كل شيء، فإننا نثبت العكس.
نحن هنا. نعرف من نحن. ونعرف ما الذي ندافع عنه. Article-Ukraine35_Eng.docx
هناك مثل عربي يعرفه الجميع هنا يقول: «مصر تكتب، ولبنان يطبع، والعراق يقرأ.»
وبالنسبة إلى بلد يفتخر بالكتاب، فإن أفضل هدية هي الكتاب. ولهذا، افتتحنا في يونيو/حزيران الماضي رفاً للكتب الأوكرانية في المكتبة الوطنية ودار الكتب والوثائق العراقية، يضم أدبنا وتاريخنا وكتباً للأطفال.
إنها طريقتنا للقول إننا جئنا بالكتب، لا بالشعارات.
إذا أردتم أن تعرفوا من نحن، فاقرؤونا بأنفسكم.
لقد جئنا بروح الصداقة والشراكة، لا لإلقاء المحاضرات، ولا لجر العراق إلى صراعات الآخرين. جئنا لنتبادل التجارة، ونتعلم من بعضنا البعض، ونتعافى، ونبني، ونكون أصدقاء.
بالنسبة إلى أوكرانيا، فإن الشرق الأوسط ليس ساحة لصراع الآخرين، بل منطقة لشركاء متساوين.
قبل خمسة وثلاثين عاماً، اخترنا مصيرنا بأنفسنا. واليوم نثبت أننا كنا نعني ذلك حقاً.
فليعش كل من وطنينا — بساتين النخيل في بلاد الرافدين وسهوب أوكرانيا — إلى الأبد تحت سماء تخصه وحده، حراً شامخاً لا ينحني.