يعاني العراق من مشكلات كبيرة في مجال الخدمات والبنى التحتية وأماكن التسلية والترفيه، وأهم المعضلات تتمثل في الانقطاع المتواصل للكهرباء وتوقف الحركة الصناعية والزراعية، ما يضطر كثيرا من العراقيين الى الهجرة الخارجية و الداخلية ، ولكن برغم ذلك نرى تدفقا للأجانب من شتى الدول إلى العراق، بعضهم يأخذ تأشيرة سياحية ولكنه يبقى في العراق بانتهائها، وآخرون يدخلون بوساطة التهريب بطرق شتى حتى في أحواض وصناديق السيارات، إذ كثيرا ما يجري كشف هؤلاء والقبض عليهم، وكثير من زوار العراق في بعض المناسبات الدينية يبقون في البلد ولا يرجعون إلى بلدانهم بعد انتهاء موسم الزيارة، وبعض العمالة الأجنبية يأتون مع المستثمرين للعمل في مشاريعهم ثم يرفضون المغادرة بعد انتهاء عقد العمل او انهائه؛ و يمكن وصف الوضع بـ (بلاد يتركها أبناؤها ويتمسك بها الغرباء)...فما الذي يغري الناس من جنسيات أخرى للمجيء و محاولة الاستقرار في العراق، و ربما يحاول بعضهم البقاء بصورة دائمة أو لغرض العمل ...الخ
تلك واحدة من أكثر المفارقات تعقيدا في المشهد العراقي الراهن، فمن النادر أن تجد دولة تعاني من أزمات حادة ومستحكمة في البنى التحتية، وانقطاع مزمن للخدمات الأساسية واهمها الكهرباء، وتراجع الإنتاج المحلي، يرافقها في الوقت ذاته جذب واستقطاب بشري سواء كان قانونيا أم غير نظامي.
هذا التناقض الظاهري يعود إلى مجموعة من الدوافع الاقتصادية، والاجتماعية، والجغرافية التي تجعل العراق بيئة طاردة لأهلها، لكنها جاذبة للآخرين في جوانب محددة.
يمكن تلخيص هذه الجاذبية عبر محاور عدة فمن النواحي الاقتصادية، يبرز ما يسمى الاقتصاد الموازي أي سوق العمل غير الرسمي، فبرغم تراجع الصناعة والزراعة الوطنية، يعج السوق العراقي باقتصاد غير رسمي ضخم وعمالة واسعة النطاق، ومقارنة ببعض الدول النامية أو المجاورة التي تعاني من فقر مدقع أو أزمات عمل خانقة، يمتلك العراق كتلة نقدية متأتية من العائدات النفطية التي تنعكس بطريقة أو بأخرى على حركة السوق، مما يجعل فرص الحصول على نقد يومي حتى وإن كان بأجور زهيدة متاحة في قطاعات البناء، والخدمات، والمطاعم، والتجارة بالمفرد.
ولا تفرض السوق العراقية شروطا صارمة أو معقدة للحصول على فرص عمل في المهن الحرة والبسيطة مقارنة بالدول ذات الأنظمة القانونية الصارمة، مما يسهل على الوافد العثور على مصدر دخل فوري من دون الحاجة إلى أوراق رسمية معقدة في البداية. وتعاني منظومة الرقابة على الحدود والإقامات من ثغرات ومنافذ شتى، تجعل من السهل نسبيا التحايل على القوانين، أو التخلف عن مغادرة البلاد بعد انتهاء التأشيرات لاسيما تأشيرات الزيارة الدينية.
وتنشط شبكات التهريب والوسطاء إذ تتواجد شبكات محلية وإقليمية متخصصة في تسهيل الدخول غير النظامي عبر الحدود البرية المفتوحة أو عبر طرق معقدة كالتهريب في الشاحنات التي توفر ممرا آمنا نسبيا لكل يائس من الأوضاع في بلده الأصلي.
وهنالك اسباب تتعلق بطبيعة طبيعة المجتمع العراقي، اذ يتميز المجتمع العراقي في العموم بالتسامح وتقبل الغرباء وسهولة الاندماج في الأحياء الشعبية، حيث لا يخضع الساكن الجديد لتدقيق اجتماعي خانق، فضلا عن تواجد جاليات سابقة أسهمت في تسهيل استقرار القادمين الجدد من بلدانهم نفسها، بخاصة في المراقد الدينية، اذ يشكل العراق وجهة سنوية لملايين الزوار لاسيما في زيارة الأربعين والمناسبات الأخرى. هذه الحركة الضخمة تمنح غطاء واسعا للدخول، ويستغل البعض هذا الظرف للتخلف عن العودة، بخاصة القادمين من دول آسيوية أو أفريقية يجدون في المدن الدينية ككربلاء والنجف بيئة صالحة للسكن المؤقت وتوفر الطعام المجاني في كثير من الأحيان، فتتحول تدريجيا إلى إقامة دائمة بدعم من شبكات خدمية ودينية محلية وإقليمية.
ومقارنة ببعض مناطق الصراع والنزاعات الطاحنة في الإقليم المحيط التي تشهد حروبا أهلية أو مجاعات مدقعة، يرى بعض الوافدين أن الوضع الأمني النسبي في المدن العراقية الكبرى في السنوات الأخيرة، برغم مشكلاته، يظل أهون شرا وأكثر استقرارا مقارنة بجحيم الدول التي فروا منها.
باختصار، يتحول العراق في نظر هؤلاء الوافدين إلى مساحة رمادية، فوضوية في بنيتها التنظيمية، لكنها رخوة ومرنة بما يكفي لتتيح للباحث عن لقمة العيش فرصة للبقاء، متجاوزا بذلك غياب الخدمات وصعوبة العيش التي يشكو منها المواطن الأصلي الذي لا يملك خيار المغادرة أو الاكتفاء بالحد الأدنى من البقاء
وبحسب الأرقام المتوفرة، تشير التقديرات شبه الرسمية والمنظمات الحقوقية في العراق إلى تواجد أكثر من مليون عامل أجنبي يعملون خارج الإطار القانوني وبصورة غير نظامية في داخل البلاد والعدد يتزايد. وتتباين هذه الأرقام بشكل واسع مقارنة بالإحصاءات الرسمية لوزارة العمل، التي تسجل فقط نحو 47 ألف عامل أجنبي يدخلون ويستقرون بصيغة رسمية وقانونية.
وباختصار يمكن تلخيص الأمر كالآتي، التواجد غير القانوني للأجانب الوافدين والمخالفين لقوانين الإقامة والعمل في العراق ينقسمون عادة إلى عدة فئات تشمل الدخول بتأشيرات سياحية أو دينية، وهو الأسلوب الأكثر شيوعا، اذ يدخل الأجنبي بفيزا سياحية أو لزيارة العتبات الدينية، ثم يتسرب إلى سوق العمل ويرفض المغادرة بعد انتهاء صلاحية التأشيرة، وهناك التهريب عبر الحدود يجري بالدخول بطرق غير قانونية عبر الحدود البرية البعيدة عن الرقابة المشددة.
وثمت من يدخل بصفة "خبراء" أو "مهندسين" عبر إجازات استثمارية، ليتبين لاحقا أنهم عمالة غير ماهرة جاءت للهرب من اوضاعها المعيشية في بلدانها للاستقرار في العراق. وتتركز أغلبية هذه العمالة غير القانونية من جنسيات دول آسيوية وعربية؛ أبرزها بنغلاديش، وباكستان، والهند، وسوريا، وفي الآونة الأخير لوحظ تسرب كبير للعمالة المصرية والافغان.
وتنفذ وزارة الداخلية العراقية، بالتنسيق مع مديرية شؤون الإقامة، حملات أمنية واسعة ومستمرة لملاحقة المخالفين وتسفيرهم، اذ أعلنت وزارة الداخلية عن تسفير وإبعاد أكثر من 47 ألف أجنبي من العراق منذ مطلع عام 2025 وحتى مطلع عام 2026 لمخالفتهم قانون الإقامة رقم (76) لسنة 2017. وفعلت مديرية شؤون الإقامة نظام "الباركود" الإلكتروني على سمات الدخول لضبط المنافذ والمطارات، ومطابقة البيانات حيويا لمنع التلاعب والتزوير، وفرضت الحكومة تطبيق سياسة تشغيل تلزم المشاريع الاستثمارية والشركات بتوظيف 80% من العمالة العراقية مقابل 20% فقط للعمالة الأجنبية، للحد من الاعتماد على الوافدين غير الشرعيين وتوفير فرص عمل للعراقيين.