أُنشئت هيئة الإعلام والاتصالات (CMC) عام 2004 بموجب الأمر رقم 65، ثم كرّس دستور 2005 استقلالها المالي والإداري في المادة 103 وربطها بمجلس النواب، وكان الهدف الرئيس هو إنشاء جهة تنظيمية مهنية لإدارة قطاع الاتصالات والإعلام بعيدا عن التدخلات المباشرة للحكومة والأحزاب السياسية.
ولكن في الواقع، اصطدمت هذه الاستقلالية باستمرار بمفهوم المحاصصة السياسية ونظام التوزيع الحزبي، مما وضع استقلاليتها أمام أزمة مشروعية، وأصاب قرارات مجلس الأمناء بنوع من الشلل.
ان القاء نظرة سريعة على جدول أعمال الهيئة يكشف عن مفارقة وازدواجية واضحة؛ ففي قطاع الاتصالات والإنترنت، استطاعت الهيئة أن تؤدي دور التنفيذي والمزيل للتعقيدات الفنية؛ ومن خلال توزيع الترددات، ومنح التراخيص للشركات، وإدخال الأجيال الحديثة من الانترنت، تمكنت من تأمين مصدر مالي مستقر للخزينة العامة. لكن في قطاع الإعلام وحرية الحصول على المعلومة، واجهت الهيئة أزمة جوهرية، لأن الفضاء الإعلامي العراقي اليوم يمر بموجة عميقة من التدهور المعرفي، حيث حلت معايير "الأكثر مشاهدة" محل القيم الفكرية والثقافية الحقيقية.
إن هيمنة ظاهرة "المحتوى الهابط" ليست مجرد نتاج لرغبة بسيطة لدى الجمهور؛ بل هي نتيجة لنموذج تجاري رقمي يقوم على أساس "عائدات النقر". وتسببت بعض المؤسسات الإعلامية، بنوع من اللامبالاة، بأضرار ثقافية وتربوية طويلة الأمد، بإنشاء أزمة في الموثوقية وغياب المسؤولية. هذا التدهور المعرفي لا يضر بالثقافة فحسب؛ بل يفسح المجال أيضا - في مجتمع متعدد وحساس كالعراق - لنشوء خطاب الكراهية، ويشكل تهديدا مباشرا للأمن المجتمعي والقومي. والتبعات المباشرة لهذا الاتجاه هي حرف انتباه الشارع عن الاسئلة الجوهرية والمخاوف الحقيقية للمواطنين؛ مثل الفساد، البطالة، تدهور الخدمات، وأزمة الماء والكهرباء، وتوجيهه نحو مواضيع سطحية ولا قيمة لها.
وعندما يتم خنق العقل في الساحة العامة، فإن إجراءات الهيئة المتمثلة في العقوبات واغلاق الصفحات والبرامج المثيرة للجدل لا تعدو كونها ذات تأثير مؤقت. حيث بقيت هذه الخطوات محصورة في الإطار الأمني والعقابي، من دون معالجة الجذور الفكرية والاقتصادية للمشكلة. وبسبب الغموض في المعايير القانونية، اصبح الخيط الفاصل بين حماية الذوق العام وتضييق حرية التعبير مقلقا ومبهما؛ وكما هو ملاحظ، يمكن لقرارات الهيئة أن تسكت الظواهر الصارخة، لكنها تعجز عن قلع المصدر الرئيسي للازمة الذي يقوم بتغيير وجهه بشكل متواصل.
إن تحويل الفضاء العام نحو اتجاه صحي لا يمكن أن يتحقق بمجرد أوامر ادارية؛ اذ ان مستقبل عمل هذه الهيئة ونجاحها مرهون بفصل الأبعاد الفنية عن الصراعات السياسية، وصياغة معايير واضحة تكفل حماية حرية التعبير. وفي الوقت نفسه، تتطلب المعالجة الجذرية تعزيز المؤسسات المستقلة مثل نقابة الصحفيين.
لا ينبغي أن يتحول تنظيم الإعلام إلى ذريعة لتقييد النقد أو إسكات الأصوات التي تراقب أداء السلطة وتطالبها بالمساءلة. كما أن إضعاف الهيئة أو إخضاعها للتجاذبات السياسية لا يخدم حرية التعبير، بل يمنح المستفيدين من غياب الرقابة فرصة لإغراق المجال العام بصراعات هامشية تصرف انتباه المواطنين عن قضايا الفساد والخدمات والحقوق والمساءلة.