كثيراً ما نسمع هنا وهناك عن هذا السؤال المخيف في الندوات والقنوات الاعلامية او حتى في احاديث الناس، مع الحلاق او سائق التكسي واحيانا من السيدات في حرم مطابخهم.. 

هنا اجد ان الاجابة لا تكمن  بالبساطة التي توحي بها تلك الأحاديث او حتى على شاشات التلفاز والمواقع الالكترونية... بل ارى ان احتمال اندلاع حرب عالمية شاملة اصبح، على الاقل في اطار معطيات اليوم ، قليل للغاية. 

ليس لان العالم اليوم قد اصبح  اكثر حكمة، ولا لان القوى الكبرى تخلت عن تنافس الاقتصادي والعسكري، بل لان الخريطة الجيوسياسية اليوم قد  فقدت ذلك المقومات والعوامل والأسباب التي كانت سبباً لنشوب الحروب الكبرى.

 واذا تأملت المشهد بهدوء، كما كان يشاهد في الحربين العالميتين عندما كان الاصطفاف واضحة. مثل معسكر يقف في مواجهة معسكر اخر. 

اما اليوم، اسألك ايها القاريء اللبيب: من مع من؟ ومن ضد من؟ إلا تعتقد ان هذا السؤال البسيط في ظاهره يحمل في داخله تعقيدا هائلا؟

خذ اسيا مثالا. الهند تخوض تنافسا حادا مع الصين، ولديها خلافات تاريخية مع باكستان. لكن الصين وباكستان ترتبطان بشراكة استراتيجية متينة. وفي الوقت نفسه تحتفظ الهند بعلاقات دفاعية وسياسية جيدة مع روسيا، بينما تعد روسيا اقرب شريك استراتيجي للصين. هنا يتراجع منطق الاحلاف التقليدية، ويحل محله منطق التوازنات المتحركة. وكلما حاولت رسم خط فاصل بين الحلفاء والخصوم، وجدت الخط نفسه يتكسر امامك.

وفي الشرق الاوسط يصبح المشهد اكثر اثارة للتامل. فالولايات المتحدة ترتبط بتحالف وثيق مع السعودية، والسعودية تحافظ على علاقات جيدة مع باكستان. لكن باكستان تتخذ موقفا معارضا لاسرائيل، بينما تمثل اسرائيل اقرب حليف لواشنطن. ثم تظهر ايران، التي تنافس الولايات المتحدة والسعودية واسرائيل، لكنها تطور شراكات مهمة مع روسيا والصين. والمفارقة ان السعودية، رغم تنافسها مع ايران، تحافظ على علاقات متنامية مع الهند، والهند نفسها لا تقطع صلاتها بطهران.

 احيانا، وانا اتتبع هذه الشبكة في بعض ابحاثي، اتوقف للحظة واسال نفسي: هل ما زالت مفاهيم الحليف والخصم تكفي لتفسير هذا العالم؟ ثم اعود الى النص مقتنعا بانها لم تعد كافية.

ربما تقول لي ان النزاعات الحالية قد تتوسع فجاة. وهذا احتمال لا يمكن تجاهله. 

لكن التحليل الاستراتيجي يشير الى ان معظم القوى الكبرى تحاول ادارة الازمات لا تحويلها الى مواجهة كونية، لان كلفة الحرب الشاملة اصبحت تتجاوز حدود الانتصار العسكري ذاته. الاقتصاد، الطاقة، التكنولوجيا..  لا بل وحتى الاسواق المالية، كلها اصبحت خطوطا حمراء لا تقل اهمية عن الحدود العسكرية.

لقد انتقلت العلاقات الدولية من عصر الايديولوجيات التي كانت سائدة حينذاك الى عصر البراغماتية. المصالح اولا، فالمصالح وثم المصالح. 

اما من ناحية الثقافة او الخطاب السياسي او حتى بعض الشعارات الايديولوجية، فهي لم تختف، لكنها لم تعد المحرك الاول والأساسي للقرار الاستراتيجي. 

عليه لا ارى العالم متجها اليوم نحو حرب عالمية ثالثة بالشكل الكلاسيكي الذي عرفناه في القرن الماضي، بل يتجه العلاقات الدولية اليوم نحو سلسلة ازمات اقليمية متداخلة، تتنافس فيها القوى الكبرى دون ان تتورط في اصطفاف شامل. 

وهذا، في تقديري، هو الفارق الاهم بين عالم الامس وعالم اليوم.