من الواضح أن كل حكومة جديدة تأتي إلى العراق تسعى منذ أيامها الأولى إلى تحقيق إنجازات إعلامية وإظهار نفسها بصورة مختلفة عن الحكومات السابقة، هذا السلوك لم يعد جديداً على العراقيين الذين اعتادوا رؤية حملات دعائية وحركات استعراضية مع كل تغيير حكومي، ويبدو أن بعض الحكومات تدرك أن جزءاً من الرأي العام يتأثر بالصورة والانطباع الأول أكثر من التفاصيل المعقدة المتعلقة بإدارة الدولة.
لكن خلف هذه الصورة توجد تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها، فالعراق ما زال يواجه أزمات مالية متكررة، ويعاني من مشاكل مزمنة في قطاع الطاقة والكهرباء، إضافة إلى ملفات اقتصادية وخدمية عديدة تحتاج إلى معالجات جذرية وليس إلى حلول مؤقتة أو حملات إعلامية.
ومن بين أكثر الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الحكومات العراقية المتعاقبة أنها غالباً ما تتجنب المصارحة المباشرة مع المواطنين، فبدلاً من الحديث بصراحة عن حجم المشكلات الموجودة والإمكانات المتاحة لمعالجتها، يجري التركيز على إبراز الجوانب الإيجابية وتقديم صورة متفائلة حتى عندما تكون الوقائع تشير إلى وجود صعوبات كبيرة.
ويبدو أن حكومة علي الزيدي ليست بعيدة عن هذا النهج، فهي تدرك جيداً حجم الضغوط المالية التي تواجه الدولة، وتعرف أن ملف الكهرباء قد يكون من أكثر الملفات إحراجاً خلال الأشهر المقبلة، لكنها ما زالت تتجنب الحديث الواضح عن هذه التحديات بالشكل الذي ينتظره المواطن.
فعندما تلجأ الحكومة إلى توفير أموال إضافية أو الاقتراض المبكر من أجل تأمين رواتب الموظفين قبل العيد، فإن ذلك يثير تساؤلات حول الوضع المالي الحقيقي للدولة، وإذا كانت هناك ضغوط مالية فمن حق المواطنين أن يعرفوا طبيعتها وأسبابها، لأن الشفافية لا تعني إضعاف الحكومة بل تعني تعزيز الثقة بينها وبين الناس.
الأمر نفسه ينطبق على ملف الكهرباء، فالعراقيون لا ينتظرون من المسؤولين وعوداً جديدة بقدر ما ينتظرون معلومات دقيقة وصادقة حول ما يمكن أن يواجهوه خلال فصل الصيف، لذلك فإن الحديث عن صيف صعب أو نقص محتمل في تجهيز الكهرباء يجب أن يُنظر إليه باعتباره توصيفاً للواقع وليس خروجاً عن الخطاب الرسمي، ويبدو فأن إقالة المتحدث الرسمي باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى كانت بسبب تحدثه بشكل صريح!
المشكلة أن الكثير من الحكومات العراقية ما زالت تنظر إلى الاعتراف بالمشكلة على أنه اعتراف بالفشل، بينما الحقيقة أن الإنكار أو التخفيف من حجم الأزمة لا يؤدي إلا إلى زيادة فقدان الثقة عندما تظهر النتائج على الأرض، فالمواطن يدرك جيداً أن العراق يواجه تحديات كبيرة، ولا يتوقع حلولاً سحرية، لكنه يريد أن يسمع الحقيقة كما هي.
لقد أثبتت التجارب أن المصارحة لا تضعف الحكومات بل تمنحها مصداقية أكبر. وعندما يشعر المواطن أن المسؤول يتحدث بصدق عن النجاحات والإخفاقات معاً فإنه يكون أكثر استعداداً لمنح الحكومة الوقت والدعم اللازمين لتنفيذ برامجها.
إن نجاح أي حكومة لا يقاس بعدد المؤتمرات الصحفية أو الحملات الإعلامية أو القرارات التي تحظى بضجة كبيرة، بل يقاس بقدرتها على مواجهة الأزمات بشفافية وواقعية، فالحكومات التي تكتفي بصناعة صورة النجاح قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تخاطر بخسارة ثقة الناس عند أول اختبار حقيقي.
ولهذا يبقى السؤال المطروح اليوم، هل ستختار حكومة الزيدي طريق المصارحة والشفافية مع المواطنين، أم أنها ستسير على النهج التقليدي الذي اعتادت عليه الحكومات السابقة، حيث تكون إدارة الصورة أهم من مواجهة الواقع.