لا تُقرأ حركة الفاعلين السياسيين في لحظات الانكشاف الإقليمي بالبروتوكولات الشكليّة، بل بالوزن النوعي للمبادرة وقدرتها على إعادة تشكيل قواعد اللعبة. في هذا السياق تحديداً، تتجاوز زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى العاصمة بغداد ودخوله المباشر إلى طاولة القرار في ائتلاف إدارة الدولة بحضور الرئاسات الأربع، حدود التنسيق الإداري الراتب، إنها عملية إعادة ضبط للبوصلة السيادية تهدف إلى الانتقال من مربع إدارة التناقضات المنهكة إلى هندسة توافقات صلبة ومستدامة.

السياق السياسي وتوقيت المبادرة

لا يُمكن فصل هذه الزيارة عن التحولات الحساسة في المشهد السياسي والأمني والإقليمي، تُجسد الزيارة رغبة أربيل وبغداد في تجاوز الانسدادات الهيكلية عبر مسارين متوازيين:

المسار المؤسساتي التنفيذي.. المتمثل في المباحثات المباشرة مع رئيس الحكومة والوزارات المعنية لتفكيك الشواغل المباشرة المرتبطة بالموازنة، السيولة النقدية وآليات تمويل مرتبات موظفي إقليم  كوردستان والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية.

المسار السيادي التوافقي.. عبر الدخول المباشر في قاعة اجتماعات ائتلاف إدارة الدولة وبحضور الرئاسات الأربع المعني بضبط إيقاع الحركة التشريعية وتوفير الغطاء السياسي والتوافق بين الكتل الوطنية لحماية مصالح البلاد وتجاوز المرحلة الحساسة.

تفكيك الملفات الرئيسية على طاولة المفاوضات

التسوية المالية واختناقات الطاقة.. تظل الإشكالية الاقتصادية المفصل الأساسي لا سيما مع تعقد أزمة السيولة وتأخر صرف الرواتب والمستحقات الاجتماعية على خلفية التداعيات المترتبة على تعطل صادرات النفط العابرة لمضيق هرمز، تسعى المباحثات إلى تجاوز التسكين الموقت نحو أطر سداد وآليات شفافة تضمن تدفق الرواتب باستدامة بالاقتران مع الدفع لإقرار قانون النفط والغاز الاتحادي.

الأمن الميداني واختبار السيادة.. يكتسب الملف الأمني حساسية بالغة عقب التطورات الجسيمة المتمثلة بالضربات الأخيرة التي طالت مقرات أمنية وما رافقها من تصعيد في التهديدات الإقليمية، إن تعزيز التنسيق بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة خصوصاً في الثغرات الميدانية والمناطق المشمولة بالمادة 140 يمثل ضرورة سيادية لمنع تحول العراق إلى عرصة لتصفية الحسابات.

من الشواغل الميدانية إلى المؤشرات الرسمية

تتجاوز التدوينة الرسمية لرئيس إقليم كوردستان عقب اجتماعه المغلق مع رئيس الوزراء الأطر التقليدية للبيانات الدبلوماسية، إذ وضعت ميثاقاً خماسياً يحدد الركائز الاستراتيجية لتقويض التداعيات الراهنة: تأكيد المرجعية الدستورية، معالجة الاختناقات المالية، حصر السلاح بيد الدولة، تسريع الأولويات التنموية وتوحيد الجبهة الوطنية ضد المخاطر الإقليمية.

إن التقاء إرادة أربيل وبغداد تحت مظلة ائتلاف إدارة الدولة لمواجهة أزمتي النفط والتصعيد المسلح يمنح هذا الحراك شرعية سيادية مضاعفة، فهو ينقل الملفات العالقة من دهاليز المساومات التكتيكية إلى مربع المصلحة الوطنية العليا، ويؤكد أن حماية أمن العراق المالي والميداني يتطلب التزاماً مؤسساتياً موجهاً لحفظ سلطة القانون وحماية استقرار البلاد الاتحادية.

نيجيرفان بارزاني.. معمار التوازن في زمن الاستقطاب

تُكرّس هذه الحركة حضور السيد نيجيرفان بارزاني كشخصية محورية تمتلك هامش مناورة واسع وقدرة على احتواء الأزمات إن خياره الدائم بالاعتماد على الدبلوماسية الهادئة واللقاءات المباشرة يُسهم في حماية أربيل من الضغوطات الاقتصادية الحادة ويجعل من إقليم كوردستان شريكاً فاعلاً ورئيسياً في معادلة الحكم والاستقرار في بغداد.

تثبيت شرعية الأداء للمؤسسات الاتحادية

بالنسبة لرئاسة مجلس الوزراء والحكومة الاتحادية، فإن إنتاج اتفاقات واضحة ومعالجة الملفات العالقة مع الإقليم يمنح الدولة نجاحاً في إدارة ملف استحقاقات الشراكة الوطنية ويعكس قدرتها على بسط استقرار سياسي وتنفيذي يقلل من حجم الضغوط الإقليمية والدولية.

إستراتيجية تحالف إدارة الدولة والحفاظ على التماسك

يحتاج التحالف الحاكم إلى الحفاظ على تماسك حلفائه الكورد وشركائه الوطنيين، إن المباحثات الحالية تتجاوز الصفقات المقطعية المباشرة لتلامس التوافقات التكتيكية والمرتبطة بالتنسيق السياسي والتشريعي بين الأطراف الكوردية والكتل الاتحادية لضمان الاستقرار المؤسساتي.

تحصين السيادة في ظل الموازنات الإقليمية

تأتي الزيارة في ظل تحولات جيو-سياسية وتصعيد أمني معقد يمس الساحة العراقية والإقليمية، يمثل التنسيق السيادي بين بغداد وأربيل ركيزة لمنع صياغة أي إملاءات خارجية وحماية الأراضي العراقية ومقراتها الأمنية ومشاريع الطاقة والاستثمار العابرة من الانزلاق إلى أتون الصراعات الإقليمية.

الأبعاد والمخرجات التنفيذية المتوقعة

اقتصادياً.. نزع فتيل الأزمة الماليّة للإقليم سيعيد الحركة للأسواق والتجار في أربيل والسليمانية ودهوك ويمنح المالية الاتحادية في بغداد آليات تنظيمية أكثر شفافية لمراقبة وتحديد الحسابات والموارد.

سياسياً ودبلوماسياً.. إرسال رسائل تطمين للشركاء الدوليين والإقليميين بوجود أدوات حوار داخلي وقدرة على حسم نقاط الخلاف بشكل ذاتي وبإرادة وطنية.

أمنياً.. تعزيز التنسيق الميداني سيقطع الطريق أمام محاولات الجماعات الإرهابية والنفعية الاستفادة من أي فراغ أمني أو سياسي بين المركز والإقليم.

إجرائياً (اختبار الضمانات والتنفيذ).. يكمن الاختبار الحقيقي لهذه القمة في قدرتها على الانتقال من التوافقات السياسية العامة إلى لجان تنفيذية بجدول زمني محدد، إن تجاوز التعقيدات البيروقراطية والتنفيذية السابقة يمثل الضمانة الوحيدة لمنع تعثر المخرجات على مستوى التطبيق العملي.

ختاماً، لا تُقاس زيارة السيد نيجيرفان بارزاني إلى بغداد بحجم البروتوكولات الصادرة، بل بقدرتها على إعادة هندسة المعادلة السياسية في لحظة فارقة، إن نجاح هذه المبادرة مرهونٌ بالانتقال الكامل من دبلوماسية احتواء الأزمات إلى شراكة الضمانات المتبادلة، فبينما تتصاعد الضغوط المالية والإقليمية تُثبت أربيل وبغداد أن بناء الجسور لم يعد مجرّد خيار دبلوماسي تكتيكي بل ضرورة سيادية وحاسمة لحماية استقرار العراق ومستقبله المؤسساتي.