إن العراق بخارطته وحدوده المرسومة بقلم الاستعمار القديم وارادة القوی الخارجیة، هو في الوقت ذاته أرض تزخر بالتنوع اللوني والديني والمذهبي والقومي. هذه الأرض، بقدر ما تصلح لتكون سجنًا مشتركًا وخرابًا تذكي فيه أحقاد الحروب الأهلية ــ كما كان حالها لعقود مضت ــ فإنها يمكن أيضاً أن تتحول إلى وطن يتسع للجميع على قاعدة الشراكة والتنوع. إن هذا القدر الجيوسياسي والترسيم القسري، يمكن تحويله من صيغة "الاقتران الإجباري" إلى أرض للتعايش الطوعي، تتقدم فيها قيم الإنسانية والمواطنة على أي انتماء أو هوية أخرى.

وما حال دون تحقيق هذا التحول حتى الآن، هو غياب أو خفوت صوت الرؤية العقلانية، والواقعية والمترفعة علی انتماءات ما قبل الوطن؛ تلك الرؤية التي تبحث عن المستقبل وتعميق الفهم المتبادل بدلاً من اجترار أحقاد الماضي، وتمنع تحويل التاريخ إلى سلاح يغتال الغد.

إن مكونات العراق بحاجة ماسة إلى تحول ثقافي ونفسي، يمكنها من قبول التنوع وقبول الاخر والنظر باحترام متبادل إلى ثقافات وخصوصيات ولغات وأعياد ومآسي وأفراح بعضها البعض. فمحاولات الإقصاء والإنكار  لن تمنح صك ملكية هذا الوطن لأي طرف بمفرده.

على الكردي أن يدرك بأن المواطن العربي المكلوم، الذي حرم من طعم الحياة طيلة خمسين عاماً جراء الحروب المتواصلة، ليس وريثاً لنظام البعث الذي اقترف جرائم الأنفال والقصف الكيماوي بحقنا. كما أنه ليس مسؤولاً عن عدم نيل الكرد لدولتهم وحرمانهم من حق تقرير المصير. لذا، حين تلوذ عوائل عربية بربوع كردستان هرباً من لظى الصيف الحارق بحثاً عن الراحة والأمان، فلا ينبغي النظر إليهم بعين الجفاء أو الاستثقال.

وفي المقابل، يتعين على شيعة العراق ألّا يقعوا في الخطأ القاتل المتمثل في رؤية كل سني كحفيد ليزيد الطاغية المتلطخ بالدماء، أو النظر إلى الكردي المغدور كخصم لهم، والتعامل مع مطلبە الفيدرالي ــ الذي يمثل الدواء الوحيد لمعضلات العراق ــ بوصفه مؤامرة لتقسيم البلاد.

إن قرار إعلان يوم غد (عيد الغدير للإخوة الشيعة) عطلة رسمية في إقليم كردستان، بتوجيه من الرئيس نيجيرفان بارزاني، لا يمثل مجرد تغيير في التقويم السنوي، بل هو رسالة  تجسد خطاب التسامح ومشاركة الشريك الوطني أفراحه، لكي ينظر هو الآخر، في المقابل، بذات الروحية والرضا إلى خصوصيات شعب كردستان وحقوقه ومناسباته.

وفي الحقيقة، وبما أن التعايش هو قدرنا المحتوم، فإن المسار الصحيح يكمن في الارتقاء إلى مستوى عالٍ من الإنسانية والتضامن، بحيث يرفع العربي في الفلوجة صوته احتجاجاً على قطع رواتب جاره القديم في شقلاوة. وأن يستذكر الكردي في ذكرى الأنفال، المقابر الجماعية لانتفاضة الجنوب الشعبانية. وأن يرتدي سامراء السواد حزناً في ذكرى مأساة حلبجة. وكما يُحتفى بنوروز في البصرة، يُعلن عيد الغدير عطلة في أربيل. 

حينها فقط، يتجلى المعنى الحقيقي لوطن الشراكة؛ وطنٌ يصون هوية الجميع، وتتحول فيه أعيادنا المتبادلة إلى جسور حقيقية لترسيخ السلام.