نموذج إدارة الأزمات وتوزيع الأدوار

في وقتٍ يرفع فيه مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الـ 62 شعاراً مثيراً للقلق وهو قيد التدمير  Under Destruction لم تكن المشاركة العراقية هذا العام مجرد حضور بروتوكولي في قائمة المدعوين بل تحولت إلى نموذج سياسي يُدرس في فن إدارة الأزمات وتوزيع الأدوار. إن الظهور المتناغم لرئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني ووزير الخارجية العراقي السيد فؤاد حسين عكس ذكاءً دبلوماسياً استثنائياً نجح في تحويل تعدد الرؤى الداخلية إلى قوة ضاربة في المحافل الدولية.

ثنائية السيادة والمرونة واختراق الجمود

لقد قدّم العراق في ميونخ 2026 دبلوماسية المسارين المتوازيين فبينما كان وزير الخارجية يثبّت دعائم السيادة القانونية في لقاءاته مطالباً المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه ملفات شائكة مثل مخيمات سوريا وعودة مسلحي داعش وتجنيب العراق صراعات المحاور، كان رئيس إقليم كوردستان يتحرك بالمرونة الدبلوماسية المعهودة لديه، مستثمراً رصيده الشخصي وعلاقاته التاريخية مع قادة القرار العالمي مثل الرئيس إيمانويل ماكرون والمسؤولين الأمريكيين والأوروبيين. وهذا التكامل لم يكن صدفة، بل هو ذكاء سياسي محسوب فالدبلوماسية الرسمية لبغداد توفر الغطاء الشرعي بينما توفر تحركات السيد نيجيرفان بارزاني العمق الاستراتيجي والقدرة على بناء جسور الثقة المباشرة، وهذا الثنائي أرسل رسالة واضحة للعالم بأن العراق يتحدث بلغة واحدة وإن اختلفت المنابر.

ملفات ما وراء الحدود واستقرار المركز

ولم يكتفِ الوفد العراقي بالدفاع، بل انتقل إلى الهجوم الدبلوماسي من خلال ملفات استراتيجية تشمل أمن الطاقة والجوار؛ فمن خلال اللقاءات مع قادة مثل السيد الرئيس الأذربيجاني، تم رسم خارطة طريق جديدة للانفتاح الاقتصادي حيث يُنظر إلى إقليم كوردستان كبوابة آمنة للاستثمارات العالمية نحو العمق العراقي. كما برزت الوساطة العاقلة في ظل طبول الحرب التي تُقرع في المنطقة حيث نجح السيدان بارزاني وحسين في تسويق العراق كمنطقة تهدئة مقنعين القوى العظمى بأن استقرار إقليم كوردستان هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

تفنيد أسطورة الانقسام والنجاح الدبلوماسي

إن النجاح الحقيقي في ميونخ 2026 تمثل في تفنيد أسطورة الانقسام؛ فعندما يرى قادة العالم في الناتو والاتحاد الأوروبي وواشنطن أن رئيس إقليم كوردستان ووزير الخارجية يتحركان بتنسيق عالٍ في قضايا الأمن القومي فإن ذلك يرفع من التصنيف الائتماني السياسي للعراق. هذا التناغم حوّل إقليم كوردستان من قضية داخلية إلى شريك دولي فاعل وجعل من بغداد مركزاً سيادياً مدعوماً برؤية إقليمية ناضجة.

من الدمار إلى البناء الاستراتيجي

وفي الختام بينما كان العالم في ميونخ يبحث عن سبل النجاة من تدمير النظام الدولي، كان العراق بقطبيه أربيل وبغداد  يبحث عن سبل البناء. إن حضور السيد نيجيرفان بارزاني في هذا التوقيت وبالتنسيق مع الدبلوماسية الاتحادية يثبت أن إقليم كوردستان ليس مجرد جزء من الجغرافيا العراقية بل هو العقل الدبلوماسي المحرك لاستقرار المنطقة. لقد خرج العراق من ميونخ 2026 برسالة مفادها أن عالماً قيد التدمير يحتاج إلى نماذج قيد التماسك وبلا شك فإن التماسك الذي أظهره الجانبان هو الرصيد الحقيقي الذي سيحمي سيادة العراق ويضمن مستقبل الإقليم في قادم الأيام المضطربة.