من هو القائد العام لقوات البيشمركة؟

رئيس الإقليم أم رئيس مجلس الوزراء الاتحادي؟

منذ عدة أيام، يتحدث بعض أعضاء مجلس النواب العراقي وعدد من المحللين السياسيين في القنوات العراقية عن نية اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا للطعن بدستورية المادة (13/أولًا) من قانون رئاسة إقليم كوردستان رقم (1) لسنة 2005، وهي المادة التي تجعل رئيس الإقليم القائد العام لقوات البيشمركة. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى المادة (78) من الدستور العراقي التي تنص على أن رئيس مجلس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة. وهنا يبرز سؤال دستوري يستحق النقاش: هل يتعارض تولي رئيس الإقليم القيادة العامة لقوات البيشمركة مع المادة (78) من الدستور؟ وهل كون رئيس مجلس الوزراء الاتحادي قائدًا عامًا للقوات المسلحة يجعله، بالضرورة، قائدًا لقوات البيشمركة أيضًا؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا أعتقد أن البداية الصحيحة تكون من المادة (78) وحدها، بل من موقع إقليم كوردستان وسلطاته في البناء الدستوري للدولة العراقية.

إقليم كوردستان في الدستور العراقي

تنص المادة (117/أولًا) على إقرار إقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليمًا اتحاديًا. وأهمية هذا النص لا تقتصر على الاعتراف الجغرافي بالإقليم، وإنما تمتد إلى الاعتراف بسلطاته ضمن النظام الاتحادي العراقي. أي أن سلطات الإقليم ليست مجرد صلاحيات إدارية منحتها الحكومة المركزية ويمكن لها أن توسعها أو تضيقها متى شاءت، وإنما هي جزء من البناء الدستوري للدولة الاتحادية.

وتأتي المادة (121/أولًا) لتوضح هذا المبدأ أكثر، إذ تمنح سلطات الأقاليم حق ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، باستثناء ما ورد ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية. ومن هنا، فإن تحديد حدود صلاحيات الإقليم يقتضي الرجوع إلى الدستور نفسه لمعرفة ما جعله حصرًا من اختصاص السلطات الاتحادية، وما تركه للأقاليم.

البيشمركة وحق الإقليم في تنظيم قواته

عندما نصل إلى قضية البيشمركة، نجد أن المادة (121/خامسًا) تجعل حكومة الإقليم مسؤولة عن كل ما تتطلبه إدارة الإقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم.

ولا ينبغي هنا المرور سريعًا على كلمة «تنظيم». فهناك فرق بين إنشاء قوة وبين تنظيمها. التنظيم يعني تحديد بنيتها وتسلسلها الإداري والعسكري، وتوزيع المسؤوليات فيها، ووضع سلسلة القيادة التي تحكم عملها. ولا يمكن تصور قوة مسلحة منظمة من دون تحديد الجهة التي تصدر منها الأوامر ومن يقف على رأس هرم قيادتها. ومن ثم فإن تحديد القيادة العليا لهذه القوات يدخل، من حيث المبدأ، في صميم تنظيمها.

في المقابل، تحدد المادة (110/ثانيًا) مجال الاختصاص الاتحادي، فتجعل وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها، بما في ذلك إنشاء القوات المسلحة وإدارتها لتأمين حماية وضمان أمن حدود العراق والدفاع عنه، من الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية. وهكذا يعالج الدستور في الوقت نفسه مستويين من المسؤولية: الدفاع عن العراق وحدوده بوصفه اختصاصًا اتحاديًا، وإنشاء وتنظيم قوات الأمن الداخلي وحرس الإقليم بوصفه من مسؤوليات حكومة الإقليم.

القائد العام، ولكن قائد أي قوات؟

بعد ذلك يمكن العودة إلى المادة (78)، التي تقوم عليها الحجة المطروحة للطعن بالمادة (13/أولًا). صحيح أن المادة (78) تجعل رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، لكن هذه المادة ليست نصًا منفصلًا عن بقية الدستور. إنها جزء من الدستور نفسه الذي أقر إقليم كوردستان وسلطاته، ومنح حكومة الإقليم صراحة حق إنشاء وتنظيم قوات الأمن الداخلي وحرس الإقليم.

فإذا فسرت المادة (78) على أن قيادة رئيس مجلس الوزراء تشمل كل قوة مسلحة موجودة على الأراضي العراقية، من دون التمييز بين القوات المسلحة الاتحادية والقوات التي منح الدستور الإقليم حق إنشائها وتنظيمها، فإن جزءًا مهمًا من مضمون المادة (121/خامسًا) سيفقد معناه العملي. والأصل في قراءة الدستور أن تفهم نصوصه معًا وبصورة تجعلها قابلة للتطبيق، لا أن نعطي أحد النصوص تفسيرًا يؤدي عمليًا إلى إفراغ نص آخر من مضمونه.

ولهذا فإن عبارة «القائد العام» وحدها لا تحسم المسألة. السؤال الأهم و هو: القائد العام لأي قوات، وإلى أين تمتد حدود قيادته؟ فالمادة (13/أولًا) من قانون رئاسة إقليم كوردستان تجعل رئيس الإقليم قائدًا عامًا لقوات البيشمركة، ولا تجعله قائدًا عامًا للقوات المسلحة العراقية. ورئيس الإقليم، بموجب هذه الصفة، لا يصبح قائدًا للجيش العراقي ولا يمتلك سلطة القيادة على القوات المسلحة الاتحادية. وبالتالي، فإن وجود قيادتين عامتين لا يعني بالضرورة وجود قائدين للقوة العسكرية نفسها.

المادة (115) وحسم مسألة الاختصاص

وفي نهاية هذه القراءة تأتي المادة (115) لتساعد على استكمال الصورة والوصول إلى نتيجة دستورية. فهي تقرر أن كل ما لم ينص عليه ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم. وتحديد القائد الأعلى لحرس الإقليم لم يرد ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، في حين أن الدستور نفسه منح حكومة الإقليم، بنص صريح، مسؤولية إنشاء تلك القوات وتنظيمها.

في الوقت نفسە تسمح المادة )121/ثانیا) للإقلیم بأن یصدر قوانینە الخاصة و في حالة وجود اختلاف بین قانون اتحادي و احدی قوانین الاقلیم في موصوع لا یدخل في الاختصاصات الحصریة للحکومة الاتحادیة، فإن الاولویة تکون لقانون الاقلیم. اي ان لقانون رئاسة الاقلیم و المادة (13/ اولا) بصورة خاصة الاولویة علی اي قانون آخر.

وبهذه القراءة لا توجد ضرورة لوضع المادة (78) والمادة (121/خامسًا) في مواجهة بعضهما. فرئيس مجلس الوزراء الاتحادي هو القائد العام للقوات المسلحة الاتحادية، بينما يكون رئيس الإقليم، وفق قانون الإقليم، القائد العام لقوات البيشمركة. ولكل منهما نطاق تمارس فيه القيادة وفق الصلاحيات التي يرسمها النظام الدستوري. وبهذا تحتفظ المادة (78) بمضمونها، وفي الوقت نفسه لا يتحول الحق الذي قررته المادة (121) للإقليم في إنشاء قواته وتنظيمها إلى نص بلا أثر عملي.