في السياسة لا يسقط الحاكم حين يعجز عن إقناع خصومه بل حين يعجز عن إقناع الشارع الذي حمله على أكتاف أحلامه ، فكل سلطة تبدأ من حي صغير قبل أن تصل إلى حدود وطن ، وكل زعيم يصعد من بين وجوه الناس يظل مدينا لأول الأزقة التي منحته الثقة قبل أن تمنحه الدولة المنصب الذي يحمله ، وعندما تتحول تلك الأزقة إلى شاهد على اتساع المسافة بين الوعد والواقع يصبح السؤال أكبر من السياسة وأعمق من الانتخابات ، إذ يغدو الحديث عن الوطن نفسه موضع مساءلة في : هل تبنى الأوطان بحراسة حدودها فقط ، أم بالوفاء للإنسان الذي يسكنها ؟ ، لتبدأ بذلك الحكاية من هنا حيث التناقض بين خطاب يرفع شعار حماية " إيطاليا " وواقع يطرح تساؤلات مؤلمة عن الحي الذي انطلقت منه " جورجا ميلوني " نحو السلطة

فالطالما جعلت جورجا ميلوني من الهجرة عنوانا لمشروعها السياسي ، ورفعت راية الدفاع عن إيطاليا حتى بدا للعالم أن الخطر كله يقف عند سواحل " البحر المتوسط " غير أن المفارقة الأكثر قسوة ليست في البحر بل في اليابسة ، وليست في المهاجر الذي يطرق أبواب إيطاليا بل في المواطن الذي فتح باب صوته الانتخابي ثم انتظر أن يعود إليه شيء من الوعود ، فلم يعد إليه سوى صدى الخطب 

ففي " غارباتيلا " الحي الذي احتضن طفولة ميلوني وتشكلت فيه هويتها السياسية وصعدت منه إلى أعلى هرم السلطة ، لا يزال الواقع مرير ويطرح أسئلة موجعة عن الخدمات والتنمية ونوعية الحياة ، 

لتتجسد أكثر صور السياسة مرارة في أن يصبح المكان الذي صنع الزعيمة آخر من يجني ثمار زعامتها ،

فأي مفارقة تلك التي تجعل حكومة تعبئ الرأي العام لحماية الحدود ، بينما يعجز كثير من أبناء حيها الأول عن رؤية حماية مماثلة لحقوقهم الأساسية ؟ وأي وطن هذا الذي ترسم حدوده على الخرائط بدقة بينما تتآكل حدوده الاجتماعية في الداخل؟ ، إن أخطر أشكال النفاق السياسي ليس أن يخطئ الحاكم فالأخطاء جزء من الطبيعة البشرية ، وإنما أن تتحول المعاناة الداخلية إلى مجرد خلفية باهتة أمام استعراض البطولة الوطنية ، فالوطنية التي تبحث عن عدو خارج الأسوار بينما تغض الطرف عن تصدعات الداخل ، ليست إلا وطنية " انتقائية " تختار ما يصلح للكاميرات أكثر مما يصلح للإنسان

ولهذا احاطنا الفيلسوف " جان جاك روسو " بالعقد بين الحاكم والمحكوم الذي لا يقوم على الخطابة بل على الوفاء ، وما إن ينكسر هذا العقد حتى تصبح السلطة مجرد سلطة لا رسالة ، ويصبح المواطن مجرد رقم في موسم الانتخابات لا شريكا في صناعة الوطن ، ومن هنا فإن الدولة التي تخشى المهاجر أكثر مما تخشى تراجع العدالة في أحيائها إنما تؤجل أزمتها ولا تعالجها ، فالجدران قد تمنع العابرين لكنها لا تمنع خيبة المواطنين ، والأسلاك الشائكة لا تستطيع أن تطوق شعور الناس بأنهم تركوا خلف شعارات مظللة

لذلك فإن " غارباتيلا " ليست مجرد حي في " روما " بل امتحان أخلاقي لكل خطاب سياسي يرفع اسم الوطن ، فإذا كان المكان الذي منح الثقة وصنع البدايات لا يزال ينتظر ثمار الوعود ، فإن السؤال لم يعد عن الهجرة بل عن معنى الوطنية نفسها ، حيث لا قيمة لوطن تحمى حدوده بالسفن بينما تترك أحياؤه تغرق في الانتظار ، ولا معنى لسياسة تتحدث باسم الشعب في المؤتمرات ثم تنسى ذلك الشعب عندما تغلق الكاميرات ، فالتاريخ لا يقيس الزعماء بعدد المهاجرين الذين أوقفوهم عند الحدود بل بعدد المواطنين الذين استطاعوا أن يمنحوهم سببا واحدا للإيمان بأن أوطانهم لم تخذلهم .