في العراق لم يعد الفساد مجرد أرقام تكتب في تقارير الرقابة ، ولا ملفات تكدس فوق رفوف المؤسسات حتى يغطيها غبار السنوات ، فلقد أصبح الفساد في صورته الأكثر قسوة ، ب " ذاكرة مالية لدولة كاملة " ، ذاكرة لا تُقرأ بالكلمات وحدها بل بالحسابات والتحويلات والعقارات والشركات والأموال التي غادرت وطنها ثم تعلمت كيف تختبئ خلف أسماء لا تقول الحقيقة كاملة
واليوم حين تتحدث التقارير عن " لجنة دولية " تتعقب أموال الفساد في العراق وتراجع أسماء شخصيات سياسية ومسؤولين بينها " رئيسا وزراء " سابقان ، فإن القضية لا تستحق أن تُقرأ باعتبارها خبرا عابرا في نشرة سياسية ، لأن بجوهرها سؤال عن الدولة نفسها ، في : من هما ؟ ولماذا بقيت الأسماء خلف ستار الكتمان؟ وهل نحن أمام تحقيق يبحث عن أفراد ، أم أمام محاولة لفتح الخريطة القديمة التي تحركت عليها أموال العراق طوال عقدين؟ ، فهذه الأسئلة لا تبحث عن الإثارة بقدر ما تبحث عن الحقيقة ، فحين تدخل الخبرة الدولية إلى ملف الأموال يتغير شكل السؤال ، ولا يعود : من أخذ المال؟ بل يصبح : من سمح له أن يأخذه؟ ومن غطى الطريق؟ وإلى أين ذهب؟ ومن يقف في نهايته؟ ، فالمال بخلاف الإنسان لا يستطيع أن يكذب إلى الأبد ، حيث قد يتغير اسم الشركة وقد يغلق الحساب وقد تنتقل الملكية إلى شخص آخر ويتحول المال من نقد إلى عقار ومن عقار إلى استثمار ومن استثمار إلى شركة عابرة للحدود ، لكن أثر المال في تلك الرحلة يبقى شاهدا على الرحلة ذاتها
ولهذا فإن تتبع الأموال المهربة قد يكون أخطر من اعتقال عشرات الموظفين ، لأن الموظف يمكن أن يكون حلقة ، أما المال فيقود إلى السلسلة بأكملها ، والعراق اليوم لا يبحث عن لصوص فقط ، بل عن هندسة فساد تفشى كالوباء على مر سنوات طوال حتى استنزف أرضه وشعبه ، فالمشكلة العراقية لم تكن يوما في وجود فاسد هنا أو مرتش هناك بل المأساة بدأت عندما تحول الفساد من سلوك فردي إلى نظام قابل للحياة ، وعندما اصبح العقد الحكومي بابا ، والمنصب مفتاحا ، والشركة واجهة ، والحساب المصرفي ممرا
والنفوذ السياسي مظلة ، عندها لم يعد الفساد حادثة تقع داخل الدولة بل اصبح شيئا يشبه الدولة الموازية التي تعيش في داخلها ، وتستخدم قوانينها ومؤسساتها وأسماءها ، بينما تستنزف مواردها من الداخل
ومن هنا تحديدا تكمن أهمية الحديث عن " رئيسي وزراء سابقين " ، وفي المستوى الذي وصلت إليه التحقيقات من هذه المعلومات ، فحين تقترب التحقيقات من رؤساء حكومات سابقين فإن السؤال لم يعد عن موظف صغير تجاوز القانون ، وإنما عن الطبقة التي كانت تملك مفاتيح القرار في الدولة ، لذلك سؤال : من هما؟ هو السؤال الذي سيظل معلقا حتى تعلن الجهات القضائية والرسمية الأسماء بصورة واضحة ، لان بقاء الأسماء طي الكتمان يفتح في المقابل سؤالا آخر ، وهو : هل الصمت إجراء قانوني لحماية التحقيق ، أم أن هناك حسابات سياسية تجعل إعلان الأسماء أكثر تعقيدا ؟ ، فربما تكون الأسماء محجوبة لأن التحقيق لم يكتمل ، وربما لأن الأدلة لا تزال قيد المطابقة ، وربما لأن القضية تتعلق بتحويلات خارجية تحتاج إلى تعاون قضائي دولي ، وربما لان ابعاد الحقيقة اكبر من التحقيق ذاته ، وفي كل الاحتمالات يبقى هناك شيء واحد يجب ألا يحدث ، وهو أن يتحول الصمت إلى " مقبرة جديدة للملفات "
لأن كل شيء يمكن له أن يحجب الا " خريطة المال " ، فهي الأكثر صدقا من ذاكرة السياسة ذاتها ، فالسياسة تستطيع أن تنسى في " برلمانات تغير وجوهها ، وحكومات تتبدل ، وتحالفات تعيد ترتيب مقاعدها " ، لكن المال لا ينسى طريقه بسهولة ، لإنه يترك أثرا في المصارف وفي الشركات وفي سجلات الملكية والعقارات وحركة التحويلات ، وفي الأشخاص الذين ظهروا فجأة بثروات لا تشبه بداياتهم ، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في العراق ليس أن تكشف التحقيقات أسماء فاسدين بل الأخطر والأهم هو أن تكشف كيف عملت المنظومة بأكملها ، في : من أين بدأ المال؟ من مرره ؟ من حماه؟ من استفاد منه؟ وأين استقر؟ ، لأن معرفة اللص قد تنهي قصة واحدة أما معرفة آلية السرقة فقد تمنع ألف قصة أخرى ، وعقدان من الزمن أمام ذات المرآة يستحق أن نقف أمام كل تلك التساؤلات بثقل وحزم وجدية لم تعهد من قبل
فمنذ 2003 ، تغيرت الحكومات والوجوه والبرلمانات ، لكن السؤال الاقتصادي ظل واحدا : أين ذهبت ثروة العراق؟ بل إن السؤال أصبح أكثر قسوة حين يتذكر المواطن أن بلاده تمتلك النفط والغاز والمنافذ والموارد ، ومع ذلك بقيت الخدمات في كثير من المناطق دون مستوى ما يفترض أن تمنحه دولة تملك هذه الثروات ، فالمشكلة ليست فقط في الأموال التي سُرقت بل في الفرص التي سُرقت معها ، حيث كل مليار خرج من الخزينة ولم يعد كان لمدرسة لم تُبن ومستشفى لم يُجهز وطريقا لم يُعبد وماء لم يصل ووظيفة لم تُخلق ، وحياة كان يمكن أن تكون أكثر كرامة لمواطن عراقي لم يكن شريكا في الجريمة ، لكنه دفع ثمنها بكل اشكالها ، ولهذا فإن استرداد الأموال ليس مجرد انتصار للخزينة بل استرداد لجزء من عمر المواطن العراقي الذي أنهك ، والامتحان الحقيقي اليوم لا يقف عند " صولة الفجر " واللجنة الدولية والتحقيقات ، فكلها ستبقى مجرد عناوين كبيرة إذا انتهت إلى اعتقال بعض الأشخاص دون الوصول إلى جذور " الشبكة " ، فالعراق لا يحتاج إلى سقوط أسماء فقط ، إنه يحتاج إلى سقوط الطريقة التي كانت تجعل الاسم قادرا على حماية المال ، والمال قادرا على شراء النفوذ ، والنفوذ قادرا على تعطيل القانون ، لان العدالة الحقيقية ليست أن نرى مسؤولا خلف القضبان بل العدالة الحقيقة في أن يصبح المنصب ذاته عاجزا عن حماية صاحبه إذا خان المال العام ، وأن يصبح توقيع الوزير دليلا عليه لا حصانة له ، وأن تصبح خزينة الدولة أمانة لا غنيمة ، وأن يعرف كل من يجلس على كرسي السلطة أن التاريخ لا ينتهي بخروجه من مكتبه
لذلك اليوم ربما تكون القضية أكبر من " رئيسي وزراء سابقين " ، وربما يكون الاسمان مختلفين عما تتداوله التكهنات ، وربما تقود التحقيقات إلى شخصيات لم تخطر على بال أحد يوما ، لكن السؤال الذي سيبقى أكبر من تلك الأسماء ، هو : هل يستطيع العراق هذه المرة أن يتتبع المال حتى نهايته؟ ، فإذا وصل التحقيق إلى المال ، ثم وصل المال إلى الحساب ، ثم قاد الحساب إلى صاحبه ، وقاد صاحبه إلى من سهل له الطريق ، عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يقترب من رأس الفساد لا ظله ، أما إذا توقفت الخريطة عند أول اسم وعادت الملفات إلى الأدراج ، فسوف يكون كل ما حدث مجرد فصل جديد من الحكاية القديمة ، حكاية دولة تعرف أن أموالها خرجت منها لكنها لم تعرف دائما من أخذها وأين أخفاها
ولهذا السبب تحديدا يبدو السؤال الأكثر خطورة اليوم من أي وقت مضى ، هو : من هما ؟ ، والأعمق من ذلك ليس : من سيُكشف اسمه؟ بل : ماذا سيحدث عندما تتكلم خريطة المال؟ ، لأن المال إذا تكلم لن يكتفي بفضح اللص .. بل سيكشف الطريق الذي أوصل اللص إلى " خزينة الوطن " .