جرتْ وقائعُ النسخة الخامسة من منتدى أنطاليا الدبلوماسي (ADF 2026)، قبل أيام، حيث أُقيمَتْ في الفترة من  17إلى 19 أبريل 2026م، في مركز "نيست "للمعارض والمؤتمرات بمدينة أنطاليا التركية، وتحت شعار "التعامل مع حالات عدم اليقين عند رسم المستقبل ."

وشهدَ المنتدى حضور أكثر من 6000 مشارك من 150دولة، عربية وآسيوية وأفريقية،  وكان من بينهم رؤساء دول وحكومات، ووزراء خارجية، وأكاديميين، وممثلي منظمات دولية، ولكن المُلفت للنظر أن المنتدى ينقصُه حضورَ الدول المتقدمة الأوربية والأمريكية والآسيوية، إلا في نطاق محدود جدا، ولِمَيّزات معينة، كحضور توم باراك وسيرغي لافروف. 

وركّزتِ النقاشاتُ على الأزمات العالمية الراهنة، مع تسليط ضوء خاص على الأوضاع في قطاع غزة، والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى ملفات الأمن الإقليمي، وتغيّر المناخ، ومستقبل النظام الدولي.

انطلقَ هذا المنتدى كمنصة سنوية عالمية عام 2021م، وتهدفُ إلى تبادل الأفكار والبحث عن حلول مبتكرة للصراعات والتوترات الجيوسياسية من خلال الحوار الدبلوماسي.

اللافتُ للنظر في هذا المنتدى هو الحوارُ الذي جرى مع توم باراك، السفير الأمريكي في أنقرة، ومبعوث الرئيس ترامب إلى سوريا والعراق، وتصريحاتُه الحسّاسة في المنتدى من خلال هذا الحوار، وأمام هذا الحشد من الحضور، مِمّن ينتمون، عمومًا، لدولٍ آسيوية وأفريقية وعربية نامية أو متأخّرة.

فمِمّا قاله باراك، والنقل بالمعنى: 

- هذه المنطقة (يقصد الشرق الأوسط) لا تحترم سوي شيء واحد وهو القوة.

- الشيء الوحيد الذي ينفع في الشرق الاوسط هو القيادة الفردية القوية في الحكم، إما مؤسسات مونارشية (حكم الفرد الواحد) رحيمة، أو مونارشية مشروطة. 

- ثبت بالتجربة أن الأنظمة التي نادت بالديمقراطية وحقوق الانسان فشلت.

- النظام الذي يديره الشرع في سوريا، والذي يديره أردوغان في تركيا مثال لأنظمة ناجحة تقاد قيادة فردية قوية (أنظمة مونارشية). 

- هذا الجزء من العالم يحترم شيئًا واحدًا فقط: القوة.. وإذا لم تعكسِ القوةَ، إذًا عكستَ الضعفَ، فأنتَ على عقبيكَ.. سوريا مثال رائع على ذلك، لماذا سوريا تعمل؟ لأن لديك قائدًا قويًا، صلبًا، شجاعًا قد لا يتفق معه الناس، مهما كانت وجهات النظر في الماضي، لكنهم يرونه يقود إلى مكان ما.

- إن حلّ مشكلات المنطقة يجب أن ينبع من داخلها، وإن اتفاقيات “أبراهام” قد تشكل جزءًا من الحل على المدى الطويل.

- الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قائد عظيم، وتركيا "قوة لا ينبغي الاستهانة بها أبداً"، وأنها من أقوى الاقتصادات في المنطقة، وأحد أبرز الفاعلين بفضل قدراتها العسكرية وموقعها ودورها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأن المسار في سوريا يتشكل بالتعاون معها.

- تحالف إسرائيل وتركيا الحل الأمثل لازدهار شعوب المنطقة، ولابد من إدماج تركيا في المنظومات الأمنية والاقتصادية بدلاً من الخصومة، والتصريحات المتشددة بينهما ليست إلا خطابات سياسية يؤجهها الإعلام.

- هناك نظاما عالميا جديدا تَحُلُّ فيه المناطقُ قضاياها ومشاكلَها بنفسها، و"سنتدخل عند الضرورة".. واتفاقية الحماية العسكرية والأمنية المعمول بها عالميا منذ 1945 آخذِةٌ في التغيّر، ويجب على كل دولة أن تَتحمّلَ مسؤوليةَ شؤونها.

تصريحاتُ توم باراك هذه تحدّد ملامحَ أنظمةِ الحكم الجديدة في الشرق الأوسط، في ظلِّ نظامٍ عالمي جديد ترسمُه الإدارةُ الأمريكية، وفق توجيهات وتصورات المؤسسات الأمنية والسياسية الاستراتيجية الحاكمة في بريطانيا.

ويمكنُ إدراجُ ملامح أنظمة الحكم الجديدة في الشرق الأوسط، التي تسعى الإدارةُ الأمريكية إلى فرضها في المنطقة، كما يلي:

1- ستكون أنظمةُ الحكم في الشرق الأوسط، في المرحلة القادمة، امتدادًا من باكستان وحتى دول شمال أفريقيا، مرورًا بدول الخليج، أنظمةً مونارشيّةً، ملكيّةً أو تحت سلطةِ فردٍ قوي.

2- إدارةُ أردوغان للحكم في تركيا، وإدارةُ الشرع في سوريا، وإدارةُ محمد بن سلمان، وإدارةُ السيسي في مصر، هي نماذجٌ مونارشية تطبيقية حيّةٌ تدعمها أمريكا بقوة، وتقدّمها كنموذجٍ مثالي لأي تغيير في أية دولة من دول الشرق الأوسط. 

3- سيكون هناك تحالفٌ استراتيجي بين تركيا وإسرائيل، وسيتمُّ توزيعُ الأدوار بينهما في الشرق الأوسط، بعد فترة مخاض.

4- دولُ الشرق الأوسط غيرُ مؤهَّلةٍ لإدارتِها من خلال أنظمة حكمٍ ديمقراطيةٍ، واعتبرَ بارك تركيا دولةً شرق أوسطية، لابُدَّ من إدارتها بقيادةٍ فردية قوية، مثل إدارة أردوغان، وقد أثارت أقوالُه عن اعتبار تركيا دولةً شرق أوسطية وليست أوربية، وعن دعم وتشجيع المونارشية فيها، غضبَ المعارضةِ التركية التي طالبت باعتباره شخصًا غيرَ مرغوبٍ به في تركيا.

وجاءتْ تصريحاتُ وزير الخارجية التركي، هاقان فيدان، لافتةً للنظر أيضا، ومتمِّمةً لتصريحات توم باراك، بخصوص النظام العالمي الجديد، فقد قال:

- في عصرنا، أصبحت الدبلوماسية أكثر أهمية من أي وقت مضى، وهناك حاجة أكبر إليها.

- الدولُ القوميةُ باتتْ تَحظى بأهميةٍ أكبر في النظام الدولي، ومن هذا المنطلق أصبحت الدبلوماسية أكثر أهمية للدول.

- إذا واصلنا انتظارَ أن يسير النظام الدولي على ما هو عليه فسنشهد أولا حربا ثم دمارا.

- إسرائيل لا تسعى وراء أمنها، بل تسعى وراء مزيد من الأراضي.

- ما يزيد الأمر تعقيدا هو أن إسرائيل تتلقّى دعما كبيرا من أوروبا والولايات المتحدة.

- دول المنطقة تقف على أعتاب مرحلة من الصحوة الجديدة، وهي تدرك أن إسرائيل تشكل تهديدا إقليميا. 

- الاتحاد الأوروبي لا يُظهر موقفا مؤسسيا موحدا يستخدم فيه قوته للحد من أنشطة إسرائيل.

- بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة قائدةَ النظام العالمي الجديد، لكن في الفترة اللاحقة بدأ عرّاب النظام الجديد لا يلتزم به.

تصريحاتُ وزير الخارجية التركي تؤكّد أن الإدارة التركية منشغلةٌ بالتغييرات التي طرأت، والتي ستطرأ في الشرق الأوسط، وبالأخص تلك المتعلقة بالمصالح القومية، وأنها تسعى لحجز مَوطِئ قدم لها في النظام الدولي، كما أن هذه التصريحات تشيرُ، بصراحة، إلى الدور الإسرائيلي في المنطقة، ومآلات هذا الدور على الرسم النهائي لأنظمة الحكم في المنطقة، وتشيرُ كذلك إلى مخاوف الإدارة التركية من أنشطة إسرائيل الأمنية والسياسية في المنطقة.

تصاعدُ لغة الخطاب المتشدِّدِ والمُتوتِّرِ بين تركيا وإسرائيل، لا يَدقُّ ناقوسَ الخطر بينهما، فهذه اللغةُ مطلوبةٌ للاستهلاك المحلي لدى الجانبين، وإنما يُخفي خلفَه نمطَ وطبيعةَ التعامل مع المسألة الخلافية الوحيدة والأساسية بينهما، وهي المسألة الكردية. 

والخلافُ في المسألة الكردية بين الإدارتَين التركية والإسرائيلية هي في طبيعة التعامل مع الوجود القومي الكردي، فإسرائيل تريدُ كيانا كرديا ذا سيادة، ويكون نِدًّا في تحالفٍ استراتيجي مع تركيا، بينما تريدُ الإدارةُ التركية تواجدا كرديا قابلا للاحتواء من قبلها ومتحالِفًا مسالِمًا معها في ظلِّ نظامٍ سياسي يقودُه التيار التركي القومي اليميني المحافظ، مع الحفاظ على الحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية للكرد.

بعد فترة مخاضٍ عسيرة، ستبدأ مرحلةُ التنسيق والتفاهم والاتفاقات بين تركيا وإسرائيل، وستكون هناك شراكاتٌ في كافة المجالات، وتقاسمٌ في الثروات والمياه والطاقة، وستكون كردستان قلبَ ومركزَ هذه التفاهمات والشراكات.

يمكن أن نستنبِطَ من ثنايا تصريحات توم باراك وهاقان فيدان، أن الإدارتَين الأمريكية والتركية لا تَتبنَّيانِ مشروعًا مُستقبليًّا للعراق، ولا خططَ لديهما بهذا الخصوص، وإنّما يراقبان المشهدَ العراقيَّ، ومآلاتِ الصراع الأمريكي الإيراني عليه، سوى أنهما يميلان، أو يتوقَّعان، أو يَسعيان، لتأسيس نظامٍ سياسي مونارشي، فردي قوي، شبيه بالذي تم تأسيسه في سوريا. 

 الخلاصة، أن التغييرات في الشرق الأوسط ستحصل، كحالةٍ طبيعية ومُقتضى الواقع، وكذلك بفعلِ فاعلٍ، ويتأثّرُ شكلُها بنتائج الحرب على إيران، وبالموقف من القضية الكردية.