مكتوم القيد هو مكتوم التنفّس، مكتوم الولادة، مكتوم الحياة، مكتوم الحرّية، والحبّ.. ما شعورك وأنت تجرّد من كلّ إنسانيتك وليس من حقوقك كمواطن عادي؟ ما شعورك وأنت تُجَرّد من قوميتك وجنسيتك بين ليلة وضحاها؟ ما ذَنبك، إن لم تُحصَ سُكّانياً في يوم واحد، أو أنك تأخّرت عن الإحصاء، أو أن الإحصاء لم يشملك؟ كيف تستمرّ حياتك وتبني مستقبلك، وأنت تفقد في يوم واحد، ملكيتك لأراضيك ومزارعك ومشاريعك وبيوتك، التي ورثتها عن أجدادك، فتفقد الهويّة، وتفقد الانتماء، وبالتالي تفقد كلّ شيء وتكون اللا وجود وأنت تتنفّس وموجود؟

 

إنها الذكرى (56) لمكتومي القيد في غربي كوردستان، تلك كانت معاناة أكثر من (150) ألف كوردي جُرّدوا من الجنسية السورية، بموجب مرسوم تشريعي مزاجي شوفيني، صادر عن "ناظم قدسي" الرئيس السوري الأسبق، حيث طبّق المرسوم بتاريخ (5 / 10 / 1962)، واستمرّ الأمر في عهد جمال عبد الناصر عبوراً بعهد حكم حافظ الأسد وصولاً لبشار الأسد، ويوم أمس كانت الذكرى الـ (56) لهذه المعاناة، والمستمرّة آثارها حتى اليوم.


الإحصاء الجائر جرى في يوم واحد، ونجم عنه انقسام الكورد في سوريا إلى ثلاثة أقسام، الأول يتمتّع بالجنسية السورية، والثاني مجرّد منها وتمّت تسميته تجاوزًا بالسوريين الأجانب، والثالث لم يرد ذكرهم في السجّلات أبداً، وأدرجوا تحت عبارة "مكتومي القيد"، كونهم لم يستطيعوا إثبات وجود قيد لهم في سوريا.

 

مكتوم القيد، هو مصطلح إداري سوري، صاحب صولة وجولة في الشرق الأوسط، يشير إلى عدم وجود الشخص المعني في السجلات الرسمية، ويشمل المكتوم بالإضافة إلى الفئة السابقة كلاً من: من ولد لأب أجنبي وأمّ مواطنة، من ولد لأب أجنبي وأمّ مكتومة القيد، من ولد لأبوين مكتومي القيد.

 

ورغم تعدّد هذه الأسباب فالنتيجة واحدة، "لا أوراق ثبوتية ولا شخصية قانونية"، وبالتالي مكتوم القيد محروم من كلّ حقوقه التي نصّت عليها الاتفاقيات الدولية، وأولها الحقّ بالحصول على اسم وجنسية، والحقّ بالحفاظ عليها، إضافة إلى حرمانه من الطبابة، والضمان الاجتماعي، والتعليم، والعمل، والتملّك، والانتخاب، والزواج، أو حتى التنقّل بحرّية.

 

عند البحث والتقصّي في الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي عن المكتومين الكورد المحرومين من الحقوق المدنية، ستقرأ آلاف الحالات المأساوية التي تجعلك تخرج عن طورك، وأغربها تلك التي قرأتها على الفيس بوك كمنشور قصير «بوست» مرفقة بصورتين، الصورة الأولى كانت للبطاقة الخاصّة بالمكتومين، وكانت للمدعو "مامو علو"، وهي لا تؤهّله للتوظيف أو شراء بيت أو الزواج أو ركوب حافلة في سوريا، دون موافقة أمن الدولة، أما الثانية فهي صورة لجواز سفر بريطاني، إذ "مامو علو" سافر بشكل غير رسمي إلى بريطانيا، وأكمل فيها تعليمه العالي ونال شهادة الدكتوراة بامتياز، وكان الأول في دفعته في أهمّ جامعة بريطانية، فكافأته المملكة المتحدة بمنح جنسيتها له، وهذا مثال واحد فقط، ليوضّح كيف ينكّح الشرق مُبدعيه!!

 

وفي إطار هذا الموضوع، يتوزّع أكثر من ثمانية ملايين لاجئ سوري على ثلاث دول هي تركيا والأردن ولبنان. وفي السبع سنوات الماضية، ولد عشرات الآلاف من الأطفال في هذه الدول، وبحسب تصريحات لنائب لبناني على وسائل الإعلام، فإنه وُلد (260) ألف طفل سوري في لبنان خلال السنوات القليلة الماضية، وهم غير مسجّلين، ولا يحملون جنسية بلادهم، وإذا أراد أهالي المواليد غير المسجّلين العودة إلى سوريا يوماً ما، دون وثائق تثبت نسبهم، ستتمّ إعادتهم إلى لبنان، وبالتالي ستبقى العائلة كلّها فيها، دون ضمان اجتماعي أو مدني أو تعليمي...

 

ولا توجد أرقام دقيقة عن الأطفال السوريين الذين وُلدوا في دول اللجوء، ففي تركيا مثلاً، يعود آخر تصريح حول ولادات السوريين إلى منتصف سنة 2016، حينها قال نائب رئيس الوزراء "لطفي ألوان" إن عددهم وصل إلى نحو (150) ألف طفل، ويتم تسجيل هؤلاء الأطفال في المشافي الحكومية التركية، في حال كان بحوزة والدي الطفل "بطاقة حماية اللاجئ المؤقّتة"، ويمنح المولود الجديد البطاقة نفسها، ويدرج اسمه ضمن دفتر العائلة التركي، الذي يحصل عليه اللاجئون من الدوائر الحكومية التركية.

 

وفي رسالة وجّهها الناشط السياسي "حكيم هولي" للقيادة السياسية والحزبية في غربي كوردستان وسوريا، عبر صفحته على الفيس بوك، ينشر فيها إثباتاً عن وجوده، وهو (بطاقة قيد مكتوم)، يقول فيها بنبرة حادّة لاذعة: "ليكن هذه الورقة وصمة عار على جبينكم، ليكن هذا اليوم في التاريخ يوما أسوداً في تاريخكم النضالي الكاذب".



وأردف هولي بصفته (مكتوماً)، وهو من سكان حيّ الهلالية في قامشلو: "عجباً لم نعد نقرأ بياناً صادراً من أحزابكم الموقّرة، حتى تعيدوننا بها إلى هذا اليوم الأسود والمشؤوم، لتتذكروننا بها حتى تكسبوا القليل من الدعم الشعبي لنضالكم المزيف، أم أصبحت هناك طرق وقضايا للنضال أكثر كسباً ومنفعة من قضيتنا، وإيجاد الحلول لها". ويضيف: "لا أريد من أيّ حزب أو سياسي أو قيادي كوردي التحدّث باسمي، فقد كانت الأيام والسنين كفيلة بكشف ادّعاءكم المزيّف في الدفاع عنّا".

 

صدق الرجل، إنها وصمة عار، ليس فقط على جبين الأحزاب وسكرتاريتها، وإنما وصمة عار على منظمات حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية، وأهمّها أنها وصمة عار على جبين أولئك الذين يشترون الحروب لأوطاننا، ويمنحون ضحاياها الأحياء جوائز معنوية ومادية، منها للإبداع، ومنها للسلام، ومنها للحرّية، ومنها للديمقراطية.

 

ويبقى أن نقول أن الأحزاب الكوردية هي أيضاً مكتومة القيد، مكتومة الفكر الحرّ والإرادة والقيادة الناجحة من أجل الحقوق الكوردية، مكتومة الصفّ الكوردي، خاصّة وأن النظام خدعهم بمنحه المجرّدين من الجنسية في بداية الثورة السورية عام 2011م، الجنسية التي هي حقّ ولا يعقل أن تطالب بحقّ لك، ويبقى السؤال: لو حصل الكورد في غربي كوردستان على إدارة خاصّة بهم، من حكم ذاتي أو حكم فيدرالي فهل ستطوى صفحة الإحصاء لصالح مكتومي القيد؟!