كثيراً ما يقال "لو كان هذا الفساد في ظل النظام السابق لذوّبهم في 'التيزاب'، أو لشنقهم على أعمدة الكهرباء، أو..."
غالباً ما أطّلع على مثل هذا الحوار بين أصحاب الصفحات والتعليقات في الفضاء الرقمي.
يعكس هذا النقاش جدليّة متكررة في قراءة الماضي والحاضر؛ حيث يُقارن البعض بين الفساد الحالي وبين "الحزم الظاهري" للنظام السابق، بينما يُذكّر الطرف الآخر بالثمن الباهظ لغياب دولة القانون والعدالة المؤسسية.
إن هذه المقارنة تستدعي سؤالاً أكثر عمقاً: هل كانت تلك الممارسات تمثل عدالة حقيقية، أم أنها كانت مجرد استعراض للقوة والسيطرة؟
المبدأ الأساس: لا تُبنى العدالة بقسوة العقوبة الاستثنائية، بل بسيادة القانون واستقلال القضاء.
أولاً- تحليل الأفكار والرؤى
1. وهم "الحزم" وعقوبة المشهد الاستعراضي
تنطلق الفكرة القائلة بأن النظام السابق كان سيعلق الفاسدين في الشوارع أو يذيبهم في الأسيد، من رغبة مجتمعية عاطفية في رؤية عدالة ناجزة وسريعة تُشفي غليل المجتمع من قضايا الفساد المستشرية اليوم.
ولكن السؤال الأهم هنا هو: ما مدى شرعية تلك العقوبات؟ وما هي رسالتها الحقيقية؟
كان النظام يعتمد على العقوبات العلنية الصادمة (مثل الإعدامات، بتر الآذان، وشم الجباه للفارين، أو محاكمة التجار صباحاً وإعدامهم ليلاً في اليوم ذاته) كأداة لفرض الرعب والسيطرة المطلقة، وليس لبناء منظومة نزاهة مؤسسية.
إن الفساد في النظم الشمولية غالباً ما يكون مُمأسساً ومحصوراً في الدائرة الضيقة للسلطة؛ ولذلك فإن المساءلة لا تُبنى على مخالفة القانون، وإنما على مدى الولاء للنظام. فإذا تبدل الولاء، تحولت تهمة الفساد إلى وسيلة للتصفية السياسية، لا إلى أداة لإحقاق الحق.
2. غياب الضمانات القانونية و"محاكم النخبة الاستثنائية"
الرد الذي يستعرض آليات عمل النظام السابق يمسّ جوهر أزمة غياب العدالة في ظل تلك الأنظمة، والتي تتلخص في النقاط التالية:
* الاعتراف تحت الإكراه: إن انتزاع الاعترافات بالتعذيب الشديد (الجسدي والنفسي) يُسقط الشرعية عن أي حكم قضائي، حيث يصبح الهدف غلق القضية وإظهار "إنجاز أمني" زائف بدلاً من الوصول إلى الحقيقة.
* المحاكم الصورية (المحاكم الخاصة): كانت تفتقر إلى أدنى معايير المحاكمة العادلة؛ فقضايا تضم عشرات المتهمين تُحسم في دقائق معدودة، ودون إتاحة فرصة حقيقية للدفاع أو التمييز.
بل إن المحامي الذي كان يترافع لصالح المتهمين يضع نفسه محل شبهة، إلا إذا طالب بإنزال أقصى العقوبات بموكله!
* البعد السيكولوجي والمالي للعقوبة:
إن إجبار الأهالي على الاحتفال بإعدام ذويهم أو دفع ثمن الرصاص وحبل المشنقة لم يكن مجرد عقوبة جنائية، بل كان أسلوباً ممنهجاً لكسر الإرادة المجتمعية وإيصال رسالة رعب جماعية.
ثانياً- النتائج المستخلصة
* المقارنة المأزومة: إن المقارنة بين نظامين مختلفين في السوء تضع المجتمعات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما فوضى الفساد وتأخر الحساب في الحاضر، أو الأمن المشروط بالرعب وغياب العدالة المطلقة في الماضي.
* عقم آليات البطش: الحل الحقيقي لا يكمن في استحضار آليات البطش القديمة، فهي ليست حلاً لأزمة الفساد، بل هي استدعاء لتجربة أثبتت أن الرعب قد يصنع الصمت والامتثال المؤقت، لكنه لا يصنع عدالة مستدامة.
الخوف قد يؤخر ظهور الفساد علناً، لكنه لا يقتلع جذوره.
* شرعية الإجراءات: إن الاعتقاد بأن قسوة العقوبة وحدها تكفي لمحاربة الفساد يغفل حقيقة جوهرية؛ وهي أن العدالة لا تُقاس بقسوة الجزاء، بل بشرعية ونزاهة الإجراءات القانونية التي تسبق صدور الحكم.
* مفهوم الدولة القوية: الدولة القوية ليست هي التي تُكثر من المشانق ووسائل التنكيل، وإنما هي التي تجعل الجميع، حاكماً ومحكوماً، يقفون على قدم المساواة أمام قانون نافذ وقضاء مستقل.
* الخيار الاستراتيجي: يكمن الحل الجذري في بناء دولة مؤسسات حقيقية تطبق القانون بصرامة، ودون تمييز أو انتقائية، مع الحفاظ الكامل على كرامة الإنسان وحقوقه المشروعة.