1. التضخم الأكاديمي وفقدان المعيارية (ظاهرة الـ 100%)

في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كان معدل القبول في كلية الطب يتراوح ما بين 60% إلى 75%. وعلى سبيل المثال، يذكر الأستاذ الدكتور رياض محمد صالح (أستاذ مادة النسائية في الجامعة المستنصرية) أنه قُبل في كلية الطب عام 1962 بمعدل 72%، وكان معدل آخر طالبة قُبلت في الكلية حينها 65%.

لم يكن هناك مئات أو آلاف الطلاب الذين يحصلون على معدل 100%، رغم جدية الدراسة والصرامة العالية التي تميز بها النظام التعليمي آنذاك. ومع هذه المعدلات البسيطة بالمقياس الرقمي الحالي، تخرج أرقى أطباء ومهندسي ومحامي وإداريي العراق الذين بنوا الدولة الناشئة وكانوا رواداً بحق.

فكيف بدأت الدرجات تتصاعد بشكل مفرط حتى أصبحت معدلات المئات أمراً عادياً؟

2. تسليع التعليم والتفاوت الطبقي (الدروس الخصوصية)

بعد الانتعاش الاقتصادي في السبعينيات وما بعدها، برزت بقوة ظاهرة التعليم الخصوصي وظهرت أسماء لمدرسين لامعين وتوسعت ظاهرة الملازم المجهزة. وتهافتت العوائل الميسورة والمتوسطة على هذه الدروس، مما أدى إلى ارتفاع أجورها بشكل مذهل.

أدى ذلك إلى حظر أو تقييد التدريس الخصوصي في العديد من الدول بناءً على دوافع تعليمية واجتماعية واقتصادية، أبرزها:

* تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص:

يتسبب التعليم الخصوصي في توسيع الفجوة الطبقية؛ حيث يمتلك أبناء الأسر الميسورة قدرة أكبر على "شراء" التفوق الأكاديمي، بينما يُحرم منه أبناء الأسر محدودة الدخل، فتبقى إمكانياتهم الذاتية محجوبة بسبب الفقر. إن التدريس الخصوصي لا يعكس القدرة الحقيقية للطالب، بل يعد مجرد عملية شراء للدرجة الأكاديمية.

* تخفيف العبء المالي على الأسرة: تشكل مصاريف الدروس الخصوصية نزيفاً استهلاكياً يرهق الميزانيات الأسرية، وتحاول الدول بحظره أو تنظيمه حماية القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن الحد من تقصير بعض المعلمين داخل الفصل الرسمي لدفع الطلاب نحو المجموعات الخاصة.

3. الاختلال الاقتصادي وغياب نظام التوجيه والضمان

انطلق السباق نحو الطب والصيدلة بسبب رغبة العوائل في ضمان مصدر سريع للثروة، في مقابل عدم استقرار الخدمات الطبية الحكومية.

وقد أدى هذا إلى ظاهرة يندر وجودها خارج العراق، وهي وجود أربعة أو خمسة أطباء أو صيدلانيين في عائلة واحدة! وذلك لأن تكلفة دراسة الطب في مختلف دول العالم تتجاوز 60,000 دولار للطالب الواحد كأجور دراسية فقط دون السكن والمستلزمات.

ومع غياب نظام ضمان صحي متطور، ازدهرت المستشفيات والمختبرات وعيادات الأشعة والعيادات الخاصة بشكل غير مسبوق.

بينما نجد في دول أخرى (مثل تركيا) أن العيادات الخاصة أمر نادر وتغلق مبكراً، ويكون دوام الأطباء الحكومي منظماً وتوفر الدولة أغلى الأدوية والفحوصات مجاناً للمرضى وفق نظام ضمان صحي شامل.

4. اختزال النجاح وقتل التنوع المعرفي (فلسفة القبول الجامعي)

إن من أخطر النتائج الاجتماعية لسباق المعدلات أن تتجه طموحات الطلبة وأسرهم بصورة شبه جماعية نحو عدد محدود من الاختصاصات (الطب والصيدلة)، وكأن النجاح لا تحقق إلا عبر أبوابها.

وهذا التوجه لا يضر بطلبة الطب فحسب، بل يضر بسائر الاختصاصات التي تحتاجها الدولة والمجتمع.

فالمجتمعات الحديثة لا تنهض بالأطباء وحدهم، بل تحتاج كذلك إلى:

* المهندسين: بما يمتلكونه من قدرات تحليلية وتصميمية.

* القانونيين: بما يتطلب تخصصهم من ملكة استدلال وفهم للنصوص.

* الاقتصاديين وعلماء الاجتماع والمربين والباحثين: للنهوض بالعلوم الأساسية والإنسانية والآداب والفلسفة والتكنولوجيا والإدارة.

لذا، ينبغي ألا تنحصر وظيفة نظام القبول الجامعي في ترتيب الطلبة تنازلياً بحسب المعدلات، بل يجب أن تكون جزءاً من سياسة تربوية أوسع تشخص قدراتهم وتوجههم للاختصاصات التي يبدعون فيها.

5. خارطة الطريق للإصلاح (من سباق الدرجات إلى بناء القدرات)

إن الغاية الأساسية من التعليم ليست إنتاج أكبر عدد من أصحاب الدرجات المرتفعة، وإنما إعداد أفراد يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير والإبداع. فالدرجة المرتفعة قد تفتح باب الجامعة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الطبيب الكفء أو المهندس المبدع أو القانوني المتمكن.

يتطلب الإصلاح خطوات أساسية:

1. تطوير المناهج والتقويم: بدء الإصلاح من المدرسة عبر تقليل الاعتماد المفرط على الحفظ والتدريب النمطي، وتعزيز الفهم والتحليل واستقلالية التفكير واختبارات الذكاء.

2. تطوير الإرشاد التربوي والمهني: تقديم معلومات واقعية عن طبيعة الاختصاصات وفرص العمل، وإجراء اختبارات ملائمة للاستعدادات للقبول دون الإخلال بشفافية المفاضلة.

3. توفير فرص عادلة: الحد من تأثير القدرة المالية للأسرة في نتائج المنافسة، وإعطاء الاختصاصات العلمية والأدبية مكانتها المستحقة في خطط التنمية.

إن العراق الذي استطاع سابقاً رفد مؤسساته بكفاءات متميزة، قادر اليوم على مراجعة نظامه التعليمي وتصحيح الاختلالات لتطوير معايير عادلة وفعالة لاختيار الطلبة وإعدادهم.

الخلاصة

إن قضية معدلات الطب ليست مجرد مسألة أرقام، بل هي قضية عدالة اجتماعية وفلسفة تعليم وسياسة تنمية. إن الاعتماد المجرد على معيار الدرجة الرقمية ودون مراعاة المعايير القيمية والأخلاقية والميول الذاتية قد يقود إلى ممارسة مهنية لا تلتزم بالضوابط والتقاليد المهنية الرسمية والعرفية، فتتكاثر الشكاوى بشأن الإخلال بأخلاقيات المهنة وتتراجع رسالته الإنسانية.

إن المجتمع الذي يقيس النجاح بمعدل القبول وحده قد يخسر مواهب كثيرة في اختصاصات يحتاج إليها، بينما المجتمع الذي يكتشف قدرات أفراده ويوجهها توجيهًا سليمًا يكون أقدر على بناء مؤسساته وتحقيق تقدمه. فليس الهدف أن يدخل الطب كل من يطمح إليه، ولا أن يُحرم منه من يستحقه، وإنما أن تتاح الفرصة العادلة للطالب المؤهل، وأن يجد كل صاحب استعداد طريقه إلى الاختصاص الذي يستطيع أن يبدع فيه ويخدم مجتمعه من خلاله.