المقدمة
مرَّتْ كردستان، موطن الكرد، خلال المئة عام الماضية، بكثير من الأحداث، وأصبحت مسرحًا للعديد من الحروب والصراعات، وعانت من التقسيمِ بين الدول، والرضوخِ لإرادة ومخطّطات المنتصِرين في الحروب، والاضطرارِ للتعايش مع مَنْ سيَّدَتْهم عليها الجهاتُ المنتصِرةُ.
ممارسةُ الكرد للأنشطة السياسية والاقتصادية، وحالتُهم الاجتماعية، عبر هذا التأريخ، رسمت صورتَهم، وصورةَ كردستان، في خريطة الشرق الأوسط، وقيّمت وزنَهم الاستراتيجي في لعبة الأمم والشعوب، بموازاة مصالحِ الدول المتصارِعة في المنطقة، وتذبذبِ مواقفها من الكرد.
في الماضي، تسبّب الكردُ بوضع أنفسِهم في حيّزِ المضطهَدِ، المهضومِ حقُّه، والساعي لاسترداده، وساهمت مصالح القوى العالمية والإقليمية في ترسيخ هذا الوضع، وليس الحاضر بأفضل من الماضي كثيرا، سوى اقتراب العالم من نهاية اتفاقية "سايكس بيكو"، ورسم خرائط جديدة للمنطقة، قد يجد الكرد فيها موضعا أفضل مما كانوا عليه، في ظل حاجة الدولة اليهودية إلى دور كردي استراتيجي لضمان أمنها المستقبلي.
ومن خلال منهج الإسقاط (عملية إسقاط الماضي على المستقبل)، وطريقة السلاسل الزمنية في استشراف المستقبل، نسعى، في هذا البحث، إلى رسم الصورة التي ستكون عليها كردستان المستقبل، ضمن محاور مفصلية محدَّدة، تنتهي بنتائج وتوصيات.
الحرب العالمية الأولى
اندلعت الحرب العالمية الأولى في 28/7/1914 بين دول الحلفاء (الامبراطورية البريطانية والامبراطورية الروسية وجمهورية فرنسا ودول أخرى مثل أمريكا واليونان واليابان وغيرها)، ودول المحور(الامبراطورية الالمانية والدولة العثمانية وامبراطورية النمسا والمجر ودول اخرى مثل بلغاريا وغيرها)، وانتهت بهدنة كوبين الأولى في 11/11/1918، بين دول الحلفاء المنتصرة والامبراطورية الالمانية الخاسرة.
اجتمع المنتصرون في الحرب (دول الحلفاء) في باريس لعقد مؤتمر السلام العالمي، وتقسيم الغنائم، وقد بدأت أعمال المؤتمر في 18/1/1919، وانتهت في 21/1/1920، وعلى أثَرِ هذا المؤتمر جرت مباحثاتٌ لتقسيم الغنائم، وإعادة الهيكلية السياسية في أوروبا، والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا ضمن المعاهدات التالية:
1- معاهدة سان جيرمان مع النمسا في 10/9/1919، حيث انفصل بموجبها كلٌّ من بولندا وجيك وسلوفاكيا والمجر ويوغوسلافيا عن النمسا.
2- معاهدة نويللي مع بلغاريا في 27/11/1919، وقد تم استقطاع (4) اربع مقاطعات من بلغاريا وأُلحِقَتْ بيوغوسلافيا، فيما تمَّ تسليمُ تراقيا الغربية إلى اليونان .
3- معاهدة سيفر مع الدولة العثمانية في 10/8/1920، وهي الاتفاقية التي أقرَّتْ اتفاقيةَ "سايكس بيكو"ِّ، وألزمت الدولة العثمانية بقبول حق تقرير المصير للكرد والأرمن.
4 - معاهدة فرساي مع دول المحور في 28/6/1919، والتعديلُ الذي جرى في 10/1/1920، إذ تمَّ بموجبها تحديدُ حدود الدول في أوروبا، وانتهى بهذه المعاهدة كلُّ أشكالِ الحرب، وتمخّض عنها تأسيسُ عصبة الأمم.
اتفاقية سايكس – بيكو
الثورةُ الصناعية في أوروبا، والحاجةُ إلى الطاقة، وإلى الأسواق لتصريف المنتجات، دفعت الدولَ الأوروبية القوية (الإمبراطورية البريطانية وفرنسا وايطاليا بالأخص ) إلى المطالبة بالحصول على الامتيازات من الدولة العثمانية باعتبار أن منطقة نفوذها بالشرق الاوسط وشمال افريقيا هي من أهم المصادر للطاقة، وأجود المنافذ والأسواق لصرف صناعتها، فنشأت بذلك مطامعُ هذه الدول في الأجزاء المهمة هذه من الدولة العثمانية.
وقد استغلت هذه الدولُ ضعفَ الإمبراطورية العثمانية، وتحيّنت الفرصَ للاستحواذ على هذه الأجزاء، فكانت فرصتُها الثمينةُ في الحرب العالمية الأولى، حيث تمَّ الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وبموافقة الإمبراطورية الروسية على تقسيم تَرِكَةِ الدولةِ العثمانيةِ.
وقد تقاسمتْ بريطانيا وفرنسا، وبموافقة الإمبراطورية الروسية، الهلالَ الخصيبَ اثناء الحرب العالمية الأولى، ضمن اتفاقيةٍ سُمِّيتْ باتفاقية "سايكس بيكو"، إذ جرت محادثاتٌ سرية مهمة بين البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو ما بين نوفمبر 1915م وأيار 1916م حول انتزاع العراق وبلاد الشام من الدولة العثمانية وتقسيمها فيما بينهما.. وقد تمَّ التوقيعُ على هذه الاتفاقية بشكل سري في أيار 1916م، بين بريطانيا وفرنسا، وبموجبها تمَّ تقسيمُ العراق وبلاد الشام، تقسيمًا مذهبيًّا وكان ذلك أوّلَ بذرةٍ طائفيةٍ زرعتها بريطانيا وفرنسا في قلب العالم الإسلامي، انتقامًا من الدولة العثمانية، ومنعًا من نهوضها مرةً أخرى.
فقد تمَّ وضعُ المنطقة الشيعية في العراق (ما بين بغداد والبصرة) تحت الإدارة البريطانية المباشرة، وتمَّ وضعُ المنطقة العلوية في هاتاي التركية واللاذقية والساحل السوري حتى منطقة بيروت تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، أما كردستان العراق وسوريا، والمناطق السنية العربية في العراق، وسوريا، وكذلك الأردن، فقد تمَّ الاتفاقُ على أن تتحوّلَ إلى دولة أو دول ذات إدارة عربية، وبنفوذ بريطاني وفرنسي.
وأبقت الاتفاقيةُ فلسطينَ تحت وصاية عصبة الامم (صوريا)، ووَهبتْها بريطانيا إلى اليهود بوعد منها سُمّيت بوعد "بلفور" في 20/11/1917.
وكانت هذه الاتفاقية سرية حتى أكتوبر 1917م، وسيطرةِ البلشفية الشيوعية على سدّة الحكم في روسيا، التي قامت بإفشاء هذه الاتفاقية، مما أثار حفيظة الشعوب العربية وتركيا.
وقد دفع ذلك الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) إلى ترضية العرب بتمليكهم في العراق والأردن، والتوقيع على اتفاقية سيفر مع الدولة العثمانية في 10/8/1920، لترسيخ أركان اتفاقية "سايكس بيكو".
آثار اتفاقية سايكس بيكو على القضية الكردية
1- يظهر في هذه الاتفاقية، وبوضوح، تصوّرُ وموقفُ الحلفاء ( بريطانيا وفرنسا ) من الكرد، اذ يبدو أنهما لم يكونا على قناعة بحقِّ تقريرِ مصيرهم بأنفسهم، بل وأنهم ليسوا أهلًا لذلك في نظرهما، فقد تمّ تقسيمُ الكرد إلى شطرين في (العراق وسوريا)، واخضاعُهم لسلطة العرب السنة.
2- الاتفاقيةُ قسّمت الهلالَ الخصيب مذهبيًّا وليس قوميًّا، واعتبرت الكرد ضمن المذهب السني، وتحت سلطة العرب السنة، وبالتالي تجاهلت الحقَّ القوميَّ للكرد في الوجود.
3- التقسيماتُ التي تمخَّضت عن هذه الاتفاقية تشكَّلت بتأثير عامِلَين أساسِيَّين هما:
ا- ردّةُ فعلِ الحلفاء من الهيمنة والتوسع والقوة التي تحلَّتْ بها الدولةُ العثمانية، بسبب معتقداتها الإسلامية، وفتوحاتها عبر التاريخ، فجاءت الاتفاقيةُ لتقسيم العالم الإسلامي على أساسٍ مذهبي كخطوة أولى للتقسيم، ومنعِ تكرار نهوضها ونموها ووحدتها مرة أخرى. (سبب أمني)
ب- الثروة النفطية والمواقع الجغرافية والموانئ التجارية، التي تزدان بها المنطقة. (سبب اقتصادي)
ففي خِضَمِّ هذه الاولويات ضاعت القضيةُ الكردية، وغابَ حقُّ تقرير المصير للكرد في هذه الاتفاقية.
4- يمكن اعتبارُ هذه الاتفاقية أولَ مظهرٍ من مظاهر التصوّر الغربي عن القضية الكردية بعد اضمحلال الدولة العثمانية، وبدايةً لِتَبلوُرِ هذا التصوّر، الذي ما زال قائما في الذهنية البريطانية.
معاهدة سيفر في 10/8/1920 بين الحلفاء(بريطانيا وفرنسا) والدولة العثمانية
يمكن اعتبارُ معاهدة سيفر بأنها مصادقةُ الدولة العثمانية لبنود اتفاقية سايكس بيكو السرية، إضافة إلى تثبيت حقوق الأقليّات (الأرمن والكرد).
بالنسبة للكرد، فقد استطاع رئيس الوفد الكردي (شريف باشا) أن يُدرج الموادَ (62، 63، 64) في المعاهدة التي بموجبها تمَّ تقريرُ حقِّ المصير للشعب الكردي في تركيا والعراق وسوريا، وقد نصَّت الموادُ على تأسيسِ حكم ذاتي في المناطق ذات الأغلبية الكردية خلال 6 أشهر من سريان مفعول المعاهدة، واعترافِ الدولة العثمانية بهذه الاتفاقية، على أن يحقَّ للكرد مراجعةُ عصبة الامم للاعتراف بهم كدولة خلال سنة من سريان مفعول الاتفاقية، إذا ما رأى الغربُ أهليةَ الكرد للاستقلال، كما ويحقُّ لأكراد العراق(ولاية الموصل) أن يلتحقوا بهذه الدولة إذا ما أرادوا ذلك.
وقد مرّت القضيةُ الكردية بعد التوقيع على هذه المعاهدة بأحداثٍ هامّةٍ، أفرغت المعاهدةَ من محتواها الخاص بالقضية الكردية.
فقد جرت مناقشةُ القضية الكردية في مؤتمر لندن في شباط 1921م بين الحلفاء والوفد التركي، الذي اعترض على نصوص اتفاق سيفر الخاصة بالكرد، وفي 16/3/1921 تمَّ التوقيعُ على اتفاقية بين الاتحاد السوفيتي وبريطانيا، وفي 20/10/1921 تمَّ إبرامُ معاهدة أنقرة بين فرنسا والأتراك (الكماليّين).. من خلال هذه الاتفاقيات والمعاهدات تمَّ الاعترافُ بالحكومة التركية الكمالية التي جاءت بعد الدولة العثمانية، وانتهى بذلك حلم الكرد بالاستقلال.
وجاءت هذه الأحداث بشكلٍ متوازٍ مع إقرار الانتداب في العراق في آب 1921م، وتنصيب فيصل ملكًا على العراق، ولم يستطع الأكرادُ التعايشَ مع العربِ السنة، وحكومتِهم في بغداد، وحصلت اضطراباتٌ كثيرة.. وعلى أثرها اضطرَّ الإنكليزُ إلى إعادة الشيخ محمود من منفاه، وتأسيسِ مملكة كردستان في السليمانية، وحينما أوصى الإنكليز بضرورة رضوخِ كردستان تحت سلطة بغداد، رفض الكردُ هذا الرضوخ، وبدأت الحربُ من جديد بين الإنكليز والأكراد.
يتبيّن من ملابسات هذه الاتفاقية، والأحداث التي تلتها أن الغرب كان خجولًا، ومُتردِّدًا في تعامله مع القضية الكردية، وغلَّبَ مصالحَه على مصالح وحقوق الشعب الكردي.
حرب الاستقلال في تركيا ومعاهدة لوزان
بدأت حروبُ الاستقلال التركي في 19/5/1919، وانتهت في 29/10/1923، ونتجت عنها نهايةُ الدولة العثمانية، والتوقيعُ على معاهدة لوزان، وإعلانُ الجمهورية التركية.
وقادت حركةُ المقاومة الشعبية للقوميين الاتراك (بقيادة مصطفى كمال) الحربَ ضد تقسيم قوات الحلفاء (اليونان والارمن وفرنسا) للإمبراطورية العثمانية، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الاولى.
إنّ انتصاراتِ المقاومةِ التركيةَ، واعترافَ الغرب والروس بالحكومة التي شكّلتها المقاومةُ القومية التركية، وحاجةَ الغرب إلى وجود حكومةٍ قوية فتيّة، وعلمانيةٍ في انقرة أجبرت الحلفاءَ على قبول شروط المقاومة القومية التركية، ودفعتْها إلى مراعاة الوضع القائم على الأرض، وسيطرةِ القوميّين على سدّة الحكم، ودعمِها لتأسيس الجمهورية العلمانية التركية في 29/10/1923 التي جاءت بعد توقيع اتفاقية لوزان في 24/6/1923، والتي أنهت مفعولَ الاتفاقيات السابقة، ورسمت حدودَ الجمهورية التركية الحالية، وقد أعقبتها مفاوضاتٌ حول الموصل والإسكندرونة سنة 1925م، إذ تمَّ، على أثرها، إلحاقُ الموصل بالعراق، والإسكندرونةِ بتركيا.
ووَقَّعَ على الّمعاهدة كلٌّ من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان، وغيرها، من جهةٍ، وحكومةُ الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا (المقاومة القومية التركية) من جهةٍ أخرى.
ونصَّت المعاهدةُ على إنهاء كلِّ آثار الحرب، وإحلال السلام، وإلغاءِ كافة الاتفاقيات السابقة، وتثبيتِ حدود تركيا الجمهورية، ولم تنصّ هذه المعاهدة، وبأي شكلٍ من الأشكال، على أية مادة تخصُّ القضية الكردية، بل أهملتها إهمالا كاملا، في مقابل تفاصيل للتعامل مع الأقليات غير المسلمة (الارمن بالأخص)، حيث نصّت المعاهدةُ على حقوقها في المواد (38 – 44).
ومن الجدير بالذكر، أن نشيرَ إلى الموقف السلبي المُتردِّدِ للحلفاء من القضية الكردية، وإهمالِها، ووضعِها كردستان تحت السلطة التركية والعربية، وعدمِ دعمها للحركات التحررية الكردية في بدايات تأسيس الجمهورية، كحركة الشيخ سعيد بيران، وحركة درسيم.
الأحداث التي توالت على كردستان ما بعد الحرب العالمية الأولى
- ففي كردستان تركيا، تمرَّدَ الأكرادُ على السلطة عدة مرات، نتيجة إهمال حقوقهم، وتعاملِ السلطة القاسي معهم، حتى نشوءِ الحركة اليسارية الكردية بقيادة حزب العمال الكردستاني سنة 1984م. واتّصفت هذه الفترة (بدايات الجمهورية) من النضال الكردي بالمناطقيةِ، والتّشرذُمِ والعشائريةِ، وعدمِ وجود تنسيقٍ، أو تثقيفٍ شاملٍ، كما واتّصفت بانعدام الدعم الدولي للحركة القومية الكردية بامتياز، فماتت هذه الحركاتُ في مهدها، وبدأت الحكومةُ التركية بممارسة التمييز العنصري، والإذابة القومية للشعب الكردي، فقضت بذلك على كافة الأصوات المنادية بالحقوق المشروعة للشعب الكردي.
أما النضال الذي قاده حزبُ العمال الكردستاني، فقد اتّصف بالدعم الدولي، إلّا أنه عانى من ضعف الدعم الشعبي كثيرًا، وخاصة في بدايات نضاله، بسبب تصادمِ فكرِ هذه الحركة مع ما يتميّزُ به الشعبُ الكردي من التديُّنِ والمحافَظةِ.
ومرَّت هذه الحركةُ منذ تأسيسها، وحتى اليوم بمراحل عديدة، واتّصفت بممارسة العمل المسلح، والارتباطِ الخارجي (وخاصة إيران)، وعدمِ القدرة على التوغّل الشعبي.
- وفي كردستان العراق، بدأ النضال الكردي بحركة الشيخ محمود، وتلتها حركة البارزان، ثم أخذ النضال الكردي شكلا حزبيا شيئا فشيئا، وابتعدت عن العشائرية.
وبعد مدٍّ وجزرٍ، اقترب الكرد في العراق من حقِّ تقرير المصير بعد مراحل الحكم الذاتي والفدرالية. وتميّزَ النضالُ الكردي بتذبذب الدعم الخارجي (وخاصة من إيران وأمريكا)، ووجودِ تلاحمٍ شعبي كبير، وتفهُّمٍ واسع من قبل جماهير الشعب الكردي العراقي لقضيته وحقوقه.
- وفي كردستان ايران، حيث تمَّ تأسيسُ "جمهورية مهاباد" من قبل "قاضي محمد" ومجموعة من الكوادر الوطنية العراقية والإيرانية في 22/1/1946 والتي لم تدمْ إلّا 11 شهرًا، وكانت هذه الجمهورية مدعومةً من الاتحاد السوفياتي، وهو الذي خانَها، وساهمَ في إسقاطها أيضا.
وأصبح الكردُ ضحيةَ الصراعات الدولية بين السوفيات والأمريكان وإيران، وفي ظلِّ النظام البهلوي، وبعد إعدام "قاضي محمد"، تراجع الشعور القومي الكردي كثيرا في ظلِّ سياسة الإذابة القومية للسلطات الإيرانية الفارسية.
ولعدم وجود استراتيجية واضحة لأكراد إيران، لم يستطع الكردُ تحديدَ موقعهم الحقيقي في حكومة الخميني الثورية، والتي استمرت أيضا في نهج الإذابة القومية كسابقتها البهلوية، ونشأت الأحزابُ الكردية التي ناضلت ضد نظام الخميني، إلّا أنها تميّزت بعدم توغّلها الشعبي، وعدم حصولها على الدعم الدولي، بل اصبحت ضحيةَ رعايةِ وإسنادِ الغرب والروس للنظام الإيراني.
- وفي كردستان سوريا، حيث لم تكن للكردي هويةٌ، ولا اعترافٌ، ولا وجودٌ قوميٌّ أصلًا في ظلِّ نظام البعث، وبعد أحداث الربيع العربي في سوريا سنة 2011م، استغلّ حزبُ العمال الكردستاني التركي الفراغَ السياسي في كردستان سوريا، فقام بتشكيل سرايا، ووَحدات شعبية مسلحة، وغير مسلحة، وتوغّلَ شعبيا، وحصل على مواقع بمساعدة نظام البعث سماها بالكانتونات التي يديرها عناصرُ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري.
وتميّزَ النضالُ الكردي في سوريا بأنه نضالٌ فَتيٌّ، وضحلٌ، سياسيًّا، وصنيعةُ أحداثٍ، ومدعومٌ من قبل حزب العمال الكردستاني التركي من جهةٍ، والحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي من جهةٍ أخرى، كما أنه لا يحمل استراتيجية واضحة.
أهم الأسباب المانعة لإنشاء دولة كردية بعد الحرب العالمية الأولى
أ- أسباب ذاتية :
1- عدم وجود قيادة كردية واعية، حكيمة، جامعة، وحريصة على حقِّ تقرير مصير الكرد، وقادرة أيضًا على الترويج لهذا الحق وإقراره، خلال المئةِ عامٍ الماضية.
2- البنية القبلية في المجتمع الكردي، وعدم رضوخ القبائل لقيادة موحدة.
3- عدمُ تبلور الفكرة السياسية لحقِّ تقرير المصير لدى مثقفي الشعب الكردي، ناهيك عن عامته، وعدمُ تَمخُّضِ هذه البلورة عن حزب سياسي كردي فاعل، ونشيط، ذي قاعدة عريضة.
ب- أسباب خارجية
1- عدمُ تبلورِ قناعةٍ لدى الحلفاء بأهلية الكرد لإدارة كيان كردي مُستقِلٍّ، وعدمُ قدرة الأكراد على إثبات هذه الأهلية.
2- عدمُ اقتناع الحلفاء باستقلال كردستان، ولم يكن الاستقلال من مصلحتها آنذاك.
فأمريكا، كانت تحبّذ دولةً أرمنيةً واسعة على حساب المناطق الكردية الشمالية، كترجمة فورية لمبادئ ولسون (المبدأ 12 منها).
وروسيا، كانت تميل إلى مدِّ نفوذها إلى داخل كردستان حتى منطقة راوندوز.
وفرنسا، كانت تسعى لضم كردستان إلى مستعمراتها في سوريا.
وبريطانيا، التي ضمّت الموصلَ إلى العراق، وكانت تريد أن يكون الكرد تحت سلطة الإدارة في بغداد، وبالتالي يكون ضمن منطقة نفوذها وسيطرتها.
3- مراعاةُ ودعمُ الحكومة التركية الفتيّة التي تركت الإسلام، واتّجهت نحو الغرب والعلمانية.
4 - تحالفُ أتاتورك مع البلاشفة الروس، إضافة إلى مخاوف الروس من الأكراد القاطنين في روسيا.
5 - خشيةُ وتردّدُ بريطانيا من معاداة إيران والعرب المتحالفين معها، وكذلك اضطرّتْ إلى أخذ الروس والأتراك بنظر الاعتبار، وآثرَتْ عدمَ تجاوزِهما.
6- خوفُ الحلفاء من تَوغُّلِ الشيوعيةِ في تركيا، ومنها إلى أوروبا، في حال استقلال كردستان.
نهاية اتفاقية سايكس بيكو
بعد مرور أكثر من قرن على هذه الاتفاقية، اضمحلّت مقوماتُ وجودها، فتيارُ العولمة الذي صنعها يتراجع، وتتعرّضُ أنظمتُه في فرنسا وألمانيا وبريطانيا لضغوط شديدة من التيار القومي اليميني، والتقسيمُ المذهبي للشرق الأوسط أثبت فشلَه، وحلَّ محله نموُّ المشاعر والمطالب القومية، واقترب التيارُ القومي اليهودي من استكمال تأسيس دولته، وتهيَّأت الأرضيةُ لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط من جديد، ومن خلال اتفاقيةٍ، أو اتفاقياتٍ، قد تكون مُبرَمةً في السرِّ، وسيتمُّ تنفيذُها بعد الصراعِ مع إيران، وحربٍ عالميةٍ خلال الخمس سنوات القادمة.
سنشهد، بعد سنين، الإعلانَ عن اتفاقية، أو اتفاقيات، سريّةٍ بين بريطانيا وأمريكا وإسرائيل، وبرعايةٍ روسية وموافقةٍ صينية وفرنسية، ترسمُ خارطةً لتقسيماتٍ جغرافيةٍ وأنظمةٍ سياسيةٍ جديدة في الشرق الأوسط، ستكونُ كردستان محورَها الأساسي، وسيبدأ حقُّ تقرير المصير للكرد من كردستان العراق ليشملَ الأجزاءَ الأخرى، خلال فترة زمنية محدَّدة، وستحلُّ هذه الاتفاقياتُ محلَّ اتفاقيةِ سايكس بيكو.
الخاتمة
خلص البحث إلى أن مستقبل كردستان محكوم بأوضاع كردية ذاتية، ومواقف القوى العالمية والإقليمية الفاعلة في القضية الكردية، ومصير اتفاقية سايكس بيكو، وكالآتي:
أ- الوضع الذاتي الكردي
1- واضح من السرد التاريخي الآنف الذكر أن الأكراد كانوا يعانون من عدم وجود قيادة مدعومة شعبيا، ومهتمة، بالقدر اللازم، بحق تقرير المصير، وقادرة على تمثيل الشعب الكردي في المحافل العالمية وفي ظلّ الصراعات والمصالح العالمية المتضاربة.
2- اعتماد الحركات الكردية بشكل كبير على الدعم الخارجي في ممارسة نشاطها النضالي، وعدم تبنّيها لمشروع وطني ذي معالم استراتيجية واضحة، وعدم استحواذها على دعم شعبي مستدام.
3- عدم قدرة الحركات التحررية الكردية على فرض وجودها، وأجندتها على الأطراف المعنية بالقضية الكردية، وعدم قدرتها على الحوار، والتفاهم، والتأقلم وفق مصالحها مع هذه الأطراف.
4- عدم وجود نشاط تعبوي شعبي من قبل حركات التحرر الكردية، للترويج لحقِّ تقرير المصير (اذا استثنينا حركة الرفراندوم في كردستان العراق عام 2017م).
ب- الأوضاع والمواقف العالمية
حدَّدت الدولُ المتحاربة في الحرب العالمية الاولى مواقفها من القضية الكردية في مؤتمراتها ومعاهداتها كالاتي :-
(نعم هناك كرد.. ولكن يجب أن يبقى الشعب الكردي ضمن الدول التي يتواجد فيها، فلا توحيد لأقسامها، ولا استقلال لأجزائها، إلّا في إطار ما يدور من مصالحَ للدول المتصارعة، بمعنى: إن المتصارعين يقبلون بكيان كردي مستقل حينما تتحقّق من خلاله مصالحُهم من جهةٍ، ويُثبت الأكرادُ أهليتَهم في إدارة كيانهم من جهةٍ أخرى).
وتذبذبت مواقفُهم كالآتي :
1- الموقف الروسي (الاتحاد السوفيتي): من الناحية المبدئية لم يكن الموقف الروسي معاديا للقضية الكردية، خاصّةً وأنه جاء – كما يدّعي – لنصرة الأقليات، وحقوق المضطهدين، إلّا أنه لم يدعم القضية الكردية، ولم يجعلها جزءً من مصالحه في الصراعات الدولية، والحالة الوحيدة من دعمه للقضية الكردية كانت في ايران، وأنهاها بخيانة تسليمها لشاه إيران.
ولم يتدخّل الروسُ اليوم في سوريا لدعم أكراد سوريا، إلّا لمصلحته في البقاء، واستغلال الأكراد لمصلحة تثبيت وجوده في سوريا، وسيدعمُ وجودًا كرديًّا في سوريا بشكلٍ من أشكال الإدارة الذاتية، وسيدعم حزبَ العمال الكردستاني التركي في صراعه مع الحكومة التركية، كذلك، لمصلحته، واستغلاله في الضغط على حكومة أنقرة.
أما في العراق فإنه منزعج من التعاون الكردي التركي، ولن يتعامل مع استقلال كردستان العراق، إلّا بحكم (قبول الأمر الواقع)، وأما أكراد إيران فإنهم ممسوحون من حسابات الروس، وسياسته الخارجية، واستراتيجيته في الشرق الأوسط.
2- الموقف الامريكي: الموقف الأمريكي من أكراد إيران واضح وصريح؛ لا تعاونٌ ولا دعمٌ ولا تأييدٌ، وأما أكراد تركيا فقد كانت امريكا الداعمة الرئيسية لحزب العمال الكردستاني في التسعينات من القرن الماضي، والمؤيدة للنضال الكردي المسلح، ومع أواخر تسعينات القرن الماضي، غيّرت أمريكا استراتيجيتها حيال النضال التحرري الكردي المسلح، وأرادت أن تدفع بحزب العمال الكردستاني للعمل السياسي، وتقليل الأنشطة العسكرية المسلحة، وضغطت لتسليم عبد الله أوجلان إلى تركيا سنة 1999م، وهناك اتفاق أمريكي تركي لإنهاء العمل المسلح لحزب العمال الكردستاني وتعزيز الأنشطة السياسية الكردية، منذ تسليم أوجلان لتركيا.
أما في العراق فقد تغيّرت سياسة الإدارة الأمريكية حيال كردستان العراق، فدعمت الإدارة الذاتية لكردستان العراق في سنة 1991م، وساعدت على إنشاء إقليم كردستان ضمن عراق جمهوري فدرالي سنة 2003م، بعد أن تسبَّبت في إفشال وإنهاء حركة مصطفى البرزاني التحررية سنة 1975م، وأما في سوريا، فلم تتحرك أمريكا لدعم الأكراد، والدفاع عن حقوقهم في ظل الأنظمة الحاكمة في سوريا، إلّا بعد أن تشكّل حزبُ الاتحاد الديمقراطي الكردي، بقيادة صالح مسلم، فقامت بدعمه سياسيا، وعسكريا.
ويوصي البحث بما يلي:
1- هناك حاجة ماسة إلى توافق سياسي مدعوم شعبيا حول تشكيل قيادة سياسية من كل الأحزاب السياسية الكردستانية العراقية للترويج لحقِّ تقرير المصير، وإجراء المفاوضات، وعقد الاتفاقات، والتأقلم مع الاحداث الجارية، وإدراج مصلحة الشعب الكردي ضمن المصالح العالمية المتضاربة، على أن تكون هذه القيادة فوق الصراعات الكردية الداخلية وبعيدة عنها.
2- ضرورة الإسراع في قيام الكرد بالتعامل الصحي مع المواقف العالمية الخجولة، والمتذبذبة من القضية الكردية، وتبرير استقلال كردستان بتوافقه مع مصالح الدول المؤثرة في الساحة الكردية.
3- ضرورة القيام بطمأنة النظام الإيران (الحالي أو المستقبلي)، والاتفاق معه على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وأن استقرار كردستان هو من مصلحة إيران.
4- ضرورة التجاوب مع مشروع السلام المطروح من قبل "دولت باهجلي" في تركيا، وممارسة نشاط سياسي كردي سليم في تركيا، وبعيد عن العنف، وذلك لتهيئة الأرضية لحق تقرير المصير، وفي ظل ظروف مؤاتية ستتجلى مع تطورات الأحداث العالمية مستقبلا.
5- ضرورة قيام الأكراد بإعداد مشروع إقليمي للتعاون (الايراني-الكردي-التركي) لإحلال السلام، والاستقرار في المنطقة.
6- الأجواء العالمية مؤاتية لإنشاء حالةٍ من الاستقلال في كردستان العراق، إضافة إلى الانقسامات السياسية، والاجتماعية في العراق، نتيجة الممارسات المذهبية للحكومات العراقية المتعاقبة، وستدفع هذه الاوضاعُ الأكرادَ إلى المطالبة الجدية، والعمل الحثيث لإقرار حقِّ تقرير المصير.
7- لا بدَّ، إذن، من توافق سياسي قيادي لإعداد ورقة حقِّ تقرير مصير الشعب الكردي، ومن ثَمَّ وضع خطوات تنفيذها عاجلا، وقبل فوات الأوان، وقد لا تأتي فرصةٌ مؤاتية كالتي نعيشها الآن، إلّا بعد وقت طويل، وجهودٍ مضاعفة، واستنزافٍ للموارد.
ملاحظة: كتبتُ هذا البحث قبل حوالي عشر سنوات، ثم قمتُ بتنقيحه، وتنسيق محتوياته، مع تغيير طفيف في العبارات والمحاور، في أكتوبر 2026م.