إذا نظرنا بعين فاحصة وقراءة استراتيجية متأنية لزيارة القائم بالاعمال في السفارة الأمريكية لدى العراق ستيفن فاغن، إلى أربيل ولقاءاته بقيادات إقليم كردستان، فلن نستطيع حصر أبعادها في إطار البيانات البروتوكولية الصادرة عن الحزبين الحاكمين (الديمقراطي والاتحاد الوطني). تتجاوز هذه الزيارة الأعراف الدبلوماسية المعتادة لتكشف عن تحول بنيوي في الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة، وسط معادلات سياسية واقتصادية وجيوسياسية بالغة التعقيد. فما يظهر في البيانات الرسمية لا يعدو كونه حثاً تقليدياً على تشكيل الكابينة الحكومية العاشرة وتفعيل البرلمان، لكن ما يدار خلف الكواليس يعكس رؤية أمريكية شاملة لإعادة تشكيل المشهد في العراق والشرق الأوسط ككل. والسؤال الجوهري هنا: لماذا الآن؟ إن الإجابة عن هذا التوقيت تفوق الزيارة ذاتها أهمية.
العراق أمام مرحلة جديدة: انكفاء عسكري ومناورة دبلوماسية
تتجه واشنطن نحو مرحلة تتغير فيها طبيعة علاقتها مع العراق بالكامل فتقليص الوجود العسكري وإنهاء مهمة التحالف الدولي لا يعنيان انسحاباً أمريكياً نهائياً، بل يمثلان انتقالاً ذكياً من الهيمنة العسكرية المباشرة إلى أدوات النفوذ غير المباشر: الاقتصاد، والمال، والطاقة، والأمن المؤسساتي. وفي وقت ما زال فيه خطر الفصائل المسلحة المقربة من طهران قائماً، تبحث واشنطن عن شريك محلي مستقر قادر على ضبط التوازن الإقليمي دون أن تضطر القوات الأمريكية لأن تكون دائماً في خطوط المواجهة الأمامية. ومن هنا تحديداً، تبرز الأهمية الحيوية لإقليم كردستان.
الإقليم في تقاطع المصالح الكبرى
لم يعد إقليم كردستان مجرد كيان فيدرالي ضمن حدود الدولة العراقية، بل بات يقع في قلب أربع معادلات استراتيجية حاسمة: العراق، تركيا، إيران، وسوريا. جغرافياً، يتوسط
الإقليم عاصمتين إقليميتين متنافستين (أنقرة وطهران)، ويشكل بوابة مباشرة لأسواق وممرات الطاقة الدولية. بناء على ذلك لم تعد واشنطن تنظر إلى الكرد كحلفاء ميدانيين في الحرب ضد داعش والإرهاب فحسب، بل تراهم ركناً أساسياً في البنية التحتية والاستراتيجية الجديدة للمنطقة. وتؤكد القراءات أن السياسة الأمريكية قد انزاحت من المنظور الأمني الضيق نحو ملفات التجارة، والغاز والربط الإقليمي. وعليه فإن تشكيل حكومة الإقليم ليس شأناً محلياً كردياً، بل هو ضمانة وظيفية لإدامة هذا النظام الإقليمي الجديد.
النفط: مفتاح المعادلات غير المعلنة
شكل ملف استئناف تصدير نفط الإقليم وربطه بالواردات الاتحادية والاستقرار المالي للعراق محوراً رئيساً في مباحثات فاغن مع قادة الإقليم. فالخلاف النفطي بين أربيل وبغداد يتجاوز الخصومة المالية الضيقة، إذ يرتبط بمصالح سوق الطاقة الدولية عبر الموانئ التركية، وبمدى قدرة الإقليم على التمتع باستقلال مالي يحميه من الابتزاز السياسي. فمنذ توقف التصدير في ربيع 2023 تعرض اقتصاد الإقليم لانتكاسة كبرى. وما تسعى إليه واشنطن اليوم ليس هدنة مؤقتة حول الموازنة، وإنما إعادة تنظيم شاملة لقطاع الطاقة تخدم الاستقرار الدولي وتحد، في آن واحد، من الهيمنة المالية الإيرانية على القرار الاقتصادي في بغداد.
صراع أنقرة وطهران على ساحة الإقليم
تلقي التجاذبات الإقليمية بظلالها الثقيلة على الإقليم، فأنقرة تنظر إليه كعمق اقتصادي وممر حيوي للطاقة وجدار أمني مانع وهو ما يتجلى في مشروع طريق التنمية والتقارب التركي-العراقي. تركيا تريد إقليماً مستقراً ومزدهراً بشرط ارتباط شريانه الاقتصادي بها، مع تقييد تطلعاته للاستقلال السياسي الناجز. في المقابل تراقب طهران هذا المشهد بقلق بالغ، متحسبة لأي تحول قد يرجح كفة الحلف (الأمريكي–التركي). إذ لا ترى طهران في الحكومة الجديدة مجرد تشكيلة إدارية محلية، بل تعتبرها إعادة لرسم خرائط النفوذ لا سيما مع تشديد واشنطن عقوباتها على الشبكات المالية والتجارية المرتبطة بإيران داخل العراق.
ثنائية الديمقراطي و الاتحاد: من الخلاف الحزبي إلى الانقسام الجيوسياسي
لم يعد الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني منحصراً في تقاسم الحقائب والمناصب الوزارية، بل بات يعكس صراعاً بين جغرافيتين سياسيتين مختلفتين: أربيل المنخرطة في المعادلة الغربية–التركية والسليمانية المتقاطعة مع شبكات النفوذ في بغداد وطهران. هذا الاستقطاب ربط الخلافات الداخلية الكردية بالصراع الإقليمي الأوسع، مما يفسر الضغط الأمريكي المتصاعد لتشكيل حكومة موحدة تمنع تفكك الإقليم إلى إدارتين منفصلتين تقوضان ما تبقى من مكتسباته الفيدرالية.
ما وراء المفارقة: انسحاب عسكري وضغط سياسي متزامن!
قد يبدو للمراقب أن ثمة مفارقة صادمة؛ كيف تقوم واشنطن بسحب منظوماتها الدفاعية وتقليص وجودها العسكري في أربيل، بينما تكثف في الوقت نفسه ضغوطها الدبلوماسية للتعجيل بتشكيل الحكومة؟ الحقيقة هي أن الانسحاب العسكري التكتيكي لواشنطن يهدف بالأساس إلى حرمان إيران والفصائل الموالية لها من تحويل القواعد الأمريكية في أربيل إلى أهداف سهلة ومرمى للدرونات والصواريخ. غير أن واشنطن تدرك تماماً أنه مع غياب هذه المظلة العسكرية، لا يمكن حماية كيان الإقليم إلا عبر مظلة سياسية ومؤسساتية متينة. تدرك الإدارة الأمريكية أن نشوء فراغ سياسي ناجم عن صراع الحزبين عقب تقليص القوات سيقود حتماً إلى ابتلاع الإقليم وإنهاء فاعليته من قبل طهران وبغداد. لذلك فإن الرسالة الأمريكية حاسمة: لقد ولى زمن الحماية العسكرية المباشرة، والدرع الوحيد المتبقي لبقاء الإقليم هو حكومة موحدة فاعلة، وقوات بيشمركة مندمجة مؤسساتياً، وتفاهمات نفطية دستورية ومستدامة مع المركز.
مخاوف واشنطن
لا ترغب واشنطن في أن يعود العراق ساحة للاحتكاك العسكري المباشر مع إيران، كما تسعى لمنع قوى الإطار والفصائل من الهيمنة المطلقة على مفاصل الطاقة والمال العراقي. كما تخشى أن يؤدي التفكك الداخلي في كردستان إلى خلق فراغ استراتيجي يملؤه خصومها. وعليه فإن الاستراتيجية الأمريكية لا تدعم طرفاً كردياً على حساب الآخر، بل تستهدف فرض توازن مؤسساتي مستقر يمنع انهيار المنظومة ككل.
الكابينة الجديدة: غاية أم وسيلة؟
إن الإصرار الأمريكي على ولادة الكابينة العاشرة لا يهدف فقط إلى كسر الجمود السياسي، بل إلى خلق أداة سياسية فعالة لإدارة استحقاقات المرحلة القادمة. فإذا شكلت الحكومة وبقيت قوات البيشمركة منقسمة الولاء، وظل ملف النفط معلقاً مع بغداد، وبقي الإقليم ممزقاً بين بوصلتي أنقرة وطهران فلن يحل أي مأزق حقيقي. إن تحركات السفير فاغن ليست مجرد رسائل عابرة للحزبين، بل هي محاولة حثيثة لترتيب أوراق الإقليم لمرحلة ما بعد الانكفاء العسكري الأمريكي. وفي هذه المعادلة الجديدة لم يعد النفط مجرد سلعة تجارية ولا الحكومة مجرد إدارة تنفيذية، ولا أقليم مجرد كيان عادي، بل غدت هذه العناصر مجتمعة ركائز في صياغة ميزان قوى جديد يعاد تشكيله على امتداد الشرق الأوسط.