كيف اختصر المثل الشعبي قاعدة فقهية وقانونية في ترتيب الأولويات؟
تُعد مقولة “ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع” من أكثر الأمثال الشعبية العربية بلاغةً في التعبير عن فلسفة التشريع الإسلامي في ترتيب الأولويات، فهي ليست مجرد حكمة اجتماعية، وإنما تمثل اختزالاً مكثفاً لقاعدة فقهية أصيلة تقوم على تقديم الواجب على التطوع، والحقوق اللازمة على أعمال البر المستحبة.
ورغم أن هذه العبارة ليست حديثاً نبوياً، فإن معناها مستمد من نصوص صحيحة وقواعد مستقرة في الفقه الإسلامي.
فقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:
(ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا).
كما قال صلى الله عليه وآله :(كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ).
وتكشف هذه النصوص أن التكليف الشرعي لا ينفصل عن الواقع الإنساني، بل يقوم على سلم دقيق من الأولويات، يبدأ بالواجبات قبل المستحبات، وبالحقوق الخاصة قبل المصالح العامة.
أولاً: ترتيب الواجبات قبل التطوع
قسم الفقه الإسلامي الحقوق المالية إلى مراتب، فجعل النفقة على النفس والزوجة والأولاد ومن تلزم نفقتهم فرض عين.
الحكم:
يأثم المكلف إذا قصر فيها، بينما جعل الصدقات والتبرعات العامة، ومنها الإسهام في بناء المساجد، من أعمال البر التي لا يجوز أن تكون سبباً في إهمال حق واجب.
ومن هنا جاءت القاعدة الفقهية المشهورة:
(لا صدقة إلا عن ظهر غنى).
ومعناها أن التبرع المشروع هو ما كان بعد الوفاء بالحقوق الواجبة وتحقيق الكفاية، لا قبلهما.
كما استقر عند الأصوليين على أن الواجب مقدم على المندوب، فلا تُترك الفريضة ابتغاء فضيلة النافلة (1).
ثانياً: الإنسان قبل البنيان
تكشف هذه القاعدة عن رؤية حضارية عميقة في الإسلام؛ فالمسجد، على عظيم مكانته، لم يُشرع ليكون غاية في ذاته، وإنما وسيلة لإصلاح الإنسان وبناء المجتمع.
ولهذا فإن حرمان الأسرة من حقوقها الأساسية أو تعريضها للفاقة من أجل التبرع لبناء مسجد أو مشروع خيري يناقض المقصد الذي شُرعت من أجله العبادة.
فالأسرة هي النواة الأولى للمجتمع، واستقرارها أساس لاستقرار الأمة، ولذلك كان "إعمار البيوت بالعدل والرعاية مقدماً على إعمار المباني بالتبرعات".
ولعل أبلغ ما يؤكد هذه الفلسفة أن الشريعة رفعت حرمة الإنسان فوق حرمة البناء، مهما بلغت قداسته.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نظر إلى الكعبة فقال:
(لقد شرفك الله وكرمك وعظمك، والمؤمن أعظم حرمة منك).
كما قال صلى الله عليه وآله :
(لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق).
إن هذه النصوص تؤكد أن قدسية الإنسان في الإسلام ليست أقل من قدسية الشعائر، بل إن صيانة دمه وكرامته وحقوقه مقدمة على تعظيم الأبنية مهما بلغت منزلتها. فالمساجد شُيدت لإصلاح الإنسان، ولم يُخلق الإنسان لخدمة الحجر، ولذلك كان الوفاء بحقوق الأسرة، وحفظ كرامة الإنسان، ورعاية من تجب نفقته، أولى من كل عمل تطوعي أو مظهر من مظاهر البر.
ثالثاً: البعد المقاصدي
ينسجم هذا الفهم مع مقاصد الشريعة الكبرى (2)، وفي مقدمتها حفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال؛ إذ إن توفير النفقة الواجبة للأسرة يحقق هذه المقاصد قبل أي عمل تطوعي.
كما ينسجم مع القاعدة المقاصدية الراسخة:
(درء المفاسد مقدم على جلب المصالح).
فالمفسدة الناجمة عن إهمال الأسرة أعظم من المصلحة المتوقعة من صدقة نافلة.
رابعاً: التأصيل القانوني
ولا يقتصر هذا المبدأ على الفقه الإسلامي، بل يجد صداه في التشريعات المدنية الحديثة أيضاً؛
إذ تُقدِّم القوانين الالتزامات المالية الواجبة على التصرفات الاختيارية، فتوجب نفقة الزوجة والأولاد وسائر من تلزم نفقتهم، وتحمي حقوق الدائنين والورثة من التبرعات التي تمس حقوقهم.
وبعدا المعنى يلتقي الفقه والقانون على قاعدة واحدة مفادها أن الحق الواجب مقدم على التبرع،
وأن الوفاء بالالتزامات القانونية والأسرية يسبق أعمال البر والتطوع، وهو المعنى الذي اختصره المثل الشعبي البليغ: “ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع.”
خامساً: هل كلمة “يحرم” دقيقة؟
قد يبدو استعمال لفظ “يحرم” في المثل الشعبي شديداً، لكنه يعبر عن حكم فقهي صحيح إذا حُمل على موضعه؛ فالجمهور من الفقهاء يقررون أن التبرع إذا أدى إلى تضييع نفقة من تلزم نفقته، أو إلى ترك وفاء دين واجب، كان محرماً؛ لأن أداء الواجب مقدم على التطوع.
أما إذا كان لدى الإنسان فضل مال بعد الوفاء بجميع حقوقه وحقوق من يعول، فإن التبرع يكون من أفضل القربات وأعظم أعمال البر.
وعليه، فإن لفظ “يحرم” الوارد في المثل ليس حكماً مطلقاً على كل تبرع، وإنما هو تعبير عن حالة خاصة، هي تقديم النافلة على الواجب.
الخلاصة:
ليست مقولة “ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع” مجرد مثل شعبي متداول، بل هي خلاصة بليغة لقاعدة شرعية وقانونية راسخة، تؤكد أن المجتمع لا يُبنى بإهمال الحقوق الواجبة، ولا تتحقق العبادة الصحيحة على حساب ظلم الأسرة أو التفريط بحقوقها. فالإنفاق يبدأ من دائرة المسؤولية، ثم يمتد إلى دائرة الإحسان، وتتلاقى في ذلك أحكام الشريعة مع مبادئ القانون.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تُعلي الشريعة من حرمة الإنسان حتى جعلت المؤمن أعظم حرمة من الكعبة، وجعلت زوال الدنيا أهون عند الله من سفك دمه بغير حق.
فمن هذا المنطلق، كان إعمار البيوت بالعدل والرعاية مقدماً على إعمار المباني بالتبرعات، لأن الإنسان هو محل التكليف، وكرامته هي المقصد، وحماية حقوقه الواجبة هي الأساس الذي تقوم عليه كل شريعة وقانون وعمل صالح.
------
(1) *المندوب في الشريعة الإسلامية هو: ما طلب الشارع فعله طلباً غير جازم؛ بحيث يُثاب فاعله، ولا يأثم تاركه. يُعرف أيضاً بالسنة، أو المستحب، مثل صيام النوافل، قيام الليل، والصدقات غير المفرضَة..
**النافلة أو النفل والجمع نوافل وهي: في اللغة بمعنى "الزيادة" ومعناها في المصطلح الإسلامي: الزيادة على الفرض سواء كانت في العبادات أو في المعاملات.
(2)مقاصد الشريعة هي الغايات والأهداف العظيمة التي وضعها الشارع الحكيم لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وأبرزها جلب المصالح ودرء المفاسد وحماية الكليات الخمس (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال).