لا تبدو زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى الفاتيكان ولقاؤه البابا لاوون الرابع عشر مجرد محطة بروتوكولية في جدول دبلوماسي مزدحم، ولا لقاءً عابراً بين مسؤول سياسي وزعيم روحي. ففي عمق المشهد، بدت الزيارة أقرب إلى لقاء رمزي بين الجبل والكنيسة، بين كوردستان بما تحمله من ذاكرة مقاومة وتعدد وتعايش، والفاتيكان بما يمثله من ثقل أخلاقي وروحي لدى مئات الملايين حول العالم.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة اللقاء بوصفه جزءاً من سياسة هادئة يتبعها بارزاني منذ سنوات، تقوم على نقل القضية الكوردية من حدود الحسابات السياسية الضيقة إلى فضاء أوسع، حيث تصبح مفاهيم التعايش، وحماية المكونات، والحوار بين الأديان، جزءاً من خطاب كوردستان أمام العالم.

فاللقاء لم يكن، في جوهره، بحثاً في ملفات سياسية أو اقتصادية فحسب، بل محاولة لربط الدبلوماسية بمعناها الأخلاقي والإنساني. وفي ذلك تكمن خصوصية مقاربة بارزاني، الذي يسعى إلى تقديم إقليم كوردستان لا بوصفه كياناً سياسياً يبحث عن الدعم فقط، بل نموذجاً شرق أوسطياً للتعدد، قادراً على مخاطبة العالم بلغة السلام والاعتدال في منطقة تزدحم بالصراعات والهويات المتنازعة.

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل الأزمات الأمنية والسياسية والدينية، وتجد شعوب المنطقة نفسها أمام موجات جديدة من الاستقطاب والتطرف. وسط هذا المشهد، جاء حضور بارزاني في الفاتيكان كرسالة من جبال كوردستان إلى مركز روحي عالمي، مفادها أن حماية التعدد ليست شعاراً سياسياً، بل شرطاً لبقاء المجتمعات واستقرار الدول.

ويستند هذا الخطاب إلى ذاكرة تاريخية عميقة في بارزان، حيث لم يكن التعايش الديني مجرد فكرة حديثة فرضتها ضرورات السياسة، بل جزءاً من تجربة اجتماعية وروحية تشكلت عبر عقود، ففي أزمنة الاضطراب الكبرى، ولا سيما خلال الحرب العالمية الأولى وما رافقها من عنف ديني وتهجير وإبادة طالت المسيحيين ومكونات أخرى في المنطقة، شكّلت بيئة بارزان ملاذاً لعدد من الناجين والقرى المسيحية الواقعة ضمن نطاق نفوذها الاجتماعي والروحي.

وبعد أكثر من قرن على تلك التجربة، يعيد بارزاني استحضار هذا الإرث أمام الفاتيكان، لا بوصفه مادة من الماضي، بل كجزء من هوية سياسية معاصرة، فهو يذكّر بأن كوردستان التي تتطلع إلى اعتراف ودعم دوليين، لا تقدم نفسها عبر لغة المصالح وحدها، بل عبر رصيد تاريخي من حماية التنوع والدفاع عن المكونات.

في هذا المعنى، لا يقف نيجيرفان بارزاني أمام البابا بصفته رئيساً لإقليم فقط، بل بوصفه حاملاً لذاكرة جماعية تقول إن الكورد، رغم ما تعرضوا له من إنكار وصراعات، كانوا في محطات كثيرة طرفاً في حماية الآخر لا في إقصائه. وهذه الرسالة تحديداً تمنح الزيارة بعدها الأعمق، لأنها تنقل القضية الكوردية من مربع المطالب السياسية إلى مربع الشرعية الأخلاقية.

ومن هنا، تبدو الفاتيكان منصة شديدة الأهمية لهذا النوع من الخطاب. فهي ليست دولة بالمعنى التقليدي فحسب، بل مركز رمزي قادر على التأثير في الرأي العام العالمي، خصوصاً في ما يتعلق بقضايا السلام، وحماية الأقليات، والحوار بين الأديان. ولهذا فإن مخاطبة الفاتيكان تعني، في جانب منها، مخاطبة الضمير المسيحي العالمي، وطلب الإصغاء إلى تجربة كوردستان من زاوية إنسانية لا جيوسياسية فقط.

لقد أدرك بارزاني، على ما يبدو، أن كوردستان لا تستطيع دائماً أن تنافس الدول الكبرى بأدوات القوة الصلبة أو المصالح الاقتصادية الثقيلة. لكنها تستطيع أن تفتح أبواباً أخرى عبر الدبلوماسية الهادئة، واللغة الثقافية، والبعد الإنساني، وصورة الإقليم بوصفه مساحة للتعايش وسط شرق أوسط مضطرب.

لذلك، يمكن القول إن لقاء الجبل والكنيسة لم يكن مجرد صورة في الفاتيكان، بل مشهداً مكثفاً لسياسة كاملة. سياسة تريد أن تقول إن كوردستان ليست هامشاً في صراعات المنطقة، بل طرف يمتلك سردية أخلاقية وتاريخية قادرة على مخاطبة العالم.

وفي زمن تتراجع فيه القيم أمام المصالح، وتغلب فيه لغة القوة على لغة المعنى، جاءت الزيارة لتعيد طرح سؤال جوهري: "كيف يمكن لشعب يبحث عن ضمانات وجوده وحقوقه أن يحوّل ذاكرته الروحية والإنسانية إلى رصيد سياسي عالمي"؟

الجواب الذي حاولت الزيارة تقديمه واضح إلى حد بعيد، من الجبل إلى الكنيسة، ومن كوردستان إلى الفاتيكان، أراد بارزاني أن يقدمها في قلب حوار عالمي لا يقوم على طلب الدعم فقط، بل على تذكير العالم بأن السلام يبدأ حين يعترف الأقوياء بحقوق الشعوب الصغيرة، وحين تتحول الذاكرة إلى جسر لا إلى جدار.