في بغداد، إذا وقفتَ على جسرٍ من جسور دجلة، ونظرتَ إلى اليمين رأيتَ الكرخ، وإذا نظرتَ إلى اليسار رأيتَ الرصافة. أما إذا سألت عن بقية العراق، فقد يقول لك بعضهم سريعًا: «اترك هذا الآن، لدينا موضوع أهم: كوردستان».
وهكذا تشعر أحيانًا وأنت تتابع بعض البرامج السياسية أن العراق كله محصور بين ضفتي دجلة، وأن ما عدا ذلك يمكن تأجيله إلى حلقة أخرى، إذا بقي وقت أصلًا.
حتى دجلة نفسه يبدو أكثر هدوءًا من بعض المحللين؛ فهو يعبر البلاد من دون أن يسأل عن القومية أو المذهب أو المحافظة أو الموقف من الحكومة. لا يتوقف عند جسر ليقول: هل أنت مع المركز أم مع الإقليم؟ ولا يغيّر مجراه لأن أحدًا لم يعجبه اتجاهه. دجلة يعرف ببساطة أن النهر لا يحتاج إلى تصريح سياسي كي يعبر العراق.
في بغداد تستطيع أن تجد ساعات من البث لمناقشة كوردستان؛ النفط، والبيشمركة، والدستور، والمادة 140، والمنافذ، والميزانية، وحتى الطقس ربما لا ينجو من أن يصبح موضوعًا سياسيًا إذا هبت الرياح من جهة الإقليم. لكن اسأل أحد هؤلاء المحللين عن مدينة العمارة، فتراه يتأمل السقف قليلًا وكأن السؤال جاء من كوكب آخر، ثم يفتح تطبيق الخرائط. اسأله عن السماوة، فقد يجيبك بثقة: «طبعًا نعرفها»، فإذا طلبت منه أن يشرح لك معاناتها، بدأت الثقة تتراجع. وهنا تكتشف المفارقة: بعض الذين يحفظون تفاصيل كوردستان عن ظهر قلب لا يعرفون عن بقية العراق إلا عناوين عامة.
وهذا أمر مثير للاهتمام؛ فهناك مدن عراقية تعيش منذ عقود من دون أن تحظى بنصف هذا الاهتمام الإعلامي. البصرة تجلس فوق النفط وتبحث عن الماء، والعمارة تعيش مشاكلها اليومية بعيدًا عن صراخ الاستديوهات، والسماوة تنتظر الخدمات، والناصرية والكوت والديوانية والحلة وغيرها لكل واحدة منها حكايتها الطويلة مع الدولة.
لكن هذه المدن لا تمنح البرامج السياسية المادة نفسها. لا يمكن أن تملأ ثلاث ساعات من البث بالصراخ حول مشكلة في السماوة أو العمارة، ولذلك تبقى كثير من قضاياها خارج الشاشة.
أما كوردستان، فقد حصلت على امتياز نادر: أن تصبح حاضرة حتى عندما لا تكون هناك حاجة إلى حضورها. وهي حاضرة تقريبًا في كل شيء: في أزمات الخدمات اليومية، وفي الأخبار الاقتصادية، وفي البرلمان، وفي مواقع التواصل. وأحيانًا تشعر أن بعض السياسيين يستطيعون إدخال اسمها في أي موضوع، مهما كان بعيدًا عنها.
وأحيانًا يخيل إليك أن بعض السياسيين لو استيقظ أحدهم في منتصف الليل وسأله عن سبب ارتفاع حرارة الجو، لأجاب قبل أن يفكر: «المشكلة في كوردستان».
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا كل هذا الانشغال؟ هل أصبحت كوردستان مسؤولة عن كل ما لم نستطع حلّه في العراق؟ حتى غدت عند بعضهم أشبه بقسم طوارئ سياسي: أي مشكلة تظهر، لا بد أن يجدوا لها مكانًا في ملف كوردستان.
لكن خلف هذه السخرية توجد مسألة أكثر جدية، وهي الدستور. بعض السياسيين يتحدثون عن احترام الدستور، لكنك تشعر أحيانًا أنهم يتعاملون معه انتقائيًا: يأخذون المادة التي تناسبهم، ويتجاوزون المادة التي لا تناسبهم. يقولون: «نحن نحترم الدستور»، ثم يأتي الاستثناء. ويأتي استثناء الاستثناء. وفي النهاية يصبح الدستور مثل قائمة الطعام: هذه الفقرة تعجبني، هذه لا تعجبني، وهذه تخص الكورد ولذلك من الأفضل ألا نطلبها اليوم.
لكن الدستور لا يعمل بهذه الطريقة. لا يمكن أن نأخذ منه ما يناسبنا ونترك ما لا يناسبنا، ثم نطلب من الآخرين الالتزام بالمرجعية نفسها. فإذا كان هناك خلاف حول مادة دستورية، فهناك طرق قانونية وسياسية لمعالجة الخلاف. وإذا كانت هناك حاجة إلى تعديل، فالدستور نفسه يحدد آليات التعديل. أما أن نُبقي النص قائمًا ثم نتصرف وكأنه غير موجود، فهذه ليست معالجة للمشكلة، بل نقل لها من الورق إلى المستقبل.
ولعل المادة 140 هي المثال الأوضح على ذلك. فمنذ سنوات طويلة، تظهر المادة كلما فُتح الحديث عن الدستور، ثم تختفي عندما يبدأ الحديث عن التنفيذ، فتسأل: «أين المادة 140؟» فيقال لك: «موجودة في الدستور». فتسأل مجددًا: «ومتى تُنفذ؟» وهنا عادةً ينتهي الكلام. المشكلة أن هذا الصمت مستمر منذ سنوات.
قد يختلف العراقيون حول تفاصيل تنفيذ المادة، وهذا حق مشروع، لكن الخلاف شيء وتحويل النص الدستوري إلى مادة منسية شيء آخر. لا يمكن أن يكون الحل هو إبقاء الخلاف مفتوحًا إلى الأبد، ثم تحميل كوردستان مسؤولية وجوده. نحن نعرف منذ سنوات أن التأجيل لا يحل شيئًا. ولو كان الأمر كذلك، لكانت كل مشاكل العراق قد انتهت منذ زمن، لأن معظمها مؤجل أصلًا.
والأمر نفسه ينطبق على البيشمركة. يمكن مناقشة تنظيم القوات، والتنسيق، والعلاقة بين مؤسسات الإقليم والدولة الاتحادية، وكل ذلك يمكن أن يكون موضوعًا سياسيًا وقانونيًا مشروعًا. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من كيفية تنظيم العلاقة إلى إنكار التاريخ والواقع.
فالبيشمركة ليست مجموعة أشخاص قرروا ذات مساء أن يشتروا بزّات عسكرية ويشكلوا قوة مسلحة. إنها جزء من تاريخ سياسي وعسكري طويل، ومن الأفضل للدولة أن تناقش هذا الواقع بعقل المؤسسات، لا بعقل البرامج الحوارية.
ثم يأتي النفط والغاز، وهنا تزداد المفارقة السياسية وضوحًا. الجميع يتذكر الدستور عندما يريد الحديث عن حقوق الدولة، لكن عندما يصل النقاش إلى حقوق الإقليم تبدأ كلمة «لكن» بالظهور. الدستور يقول... لكن، النص واضح... لكن، هناك صلاحيات... ومع كثرة هذه الاستثناءات، تصبح كلمة «لكن» أحيانًا أهم من النص نفسه. وكأن المادة الدستورية تبدأ بما يقوله الدستور وتنتهي بما يضعه السياسي بعدها من استثناء.
المشكلة ليست أن تختلف بغداد مع أربيل. الاختلاف بين المؤسسات أمر طبيعي، بل إن الدولة الصحية هي التي تستطيع إدارة الخلاف من دون تحويله إلى عداوة دائمة. الخلل الحقيقي يكمن في أن البعض يريد دولة اتحادية عندما تخدمه الفدرالية، ودولة مركزية عندما يتعلق الأمر بحقوق الإقليم. المشكلة أن الموقف يتغير بحسب المصلحة: اللامركزية عندما تكون مفيدة، ومركزية عندما يتعلق الأمر بحقوق الآخرين. وكأننا نختار من النظام السياسي ما يناسبنا في كل مرة.
والأكثر غرابة أن بعض من يرفعون شعار وحدة العراق يتعاملون مع كوردستان وكأن الاعتراف بحقوقها خطر على الوحدة.
وهنا يجب أن نسأل السؤال الحقيقي: ما الذي يهدد وحدة العراق؟ الحقوق الدستورية أم غياب العدالة؟ الاعتراف بالتنوع أم محاولة إلغائه؟ هل المشكلة في أن تكون أربيل قوية ومزدهرة، أم في أن تكون البصرة محرومة من الخدمات رغم ثروتها؟ بالطبع لا.
الحقوق ليست أرغفة خبز محدودة؛ إذا أعطينا الكوردي حقه فلن يضطر العربي إلى النوم جائعًا. الدولة العادلة لا توزع الحقوق بمنطق «خذ أنت وأخسر أنا»، وإنما تبني نظامًا يستطيع أن يمنح الجميع حقوقهم من دون أن يشعر أحد بأن كرامته مهددة بكرامة الآخر. ولذلك فإن الاعتراف بحقوق الكورد لا ينتقص من حقوق العرب، كما أن ازدهار كوردستان لا يعني فشل بغداد، ولا نجاح البصرة يحتاج إلى فشل أربيل.
ربما تكمن المشكلة في أننا ما زلنا نخلط بين الوحدة والتشابه. الوحدة لا تعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة من الآخر، فحتى داخل العائلة الواحدة يمكن أن يختلف الناس ويبقوا عائلة واحدة. الوحدة الحقيقية هي أن يعيش المختلفون تحت سقف واحد، وأن يعرف كل طرف أن حقوقه لا تعتمد على مزاج الطرف الآخر.
والسؤال في النهاية أكبر من ملف كوردستان نفسه: أي عراق نريد؟ عراقًا تحكمه المؤسسات والدستور، أم عراقًا يتغير فيه تفسير النص بحسب الظرف السياسي؟ وهل نريد التعامل مع التنوع باعتباره جزءًا من البلد، أم باعتباره مشكلة يجب التخلص منها؟
إذا كان العراق دولة اتحادية، فعلينا أن نفهم معنى الاتحاد. وإذا كان الدستور مرجعيتنا، فعلينا أن نتعامل معه كله، لا أن نفتحه مثل قائمة طعام ونختار منه ما يناسبنا.
ولذلك علينا أن نعبر الجسر، ليس جغرافيًا فقط وإنما ذهنيًا أيضًا، وأن نخرج من الصورة الضيقة للعراق التي تبدأ بالكرخ وتنتهي بالرصافة، وأن نتذكر أن وراء الاستديوهات والمدن التي تظهر يوميًا على الشاشة بلدًا كاملًا.
وإذا كان البعض يريد تحميل كوردستان مسؤولية مشاكل العراق، فليسأل أولًا عن الفساد والخدمات والبطالة والكهرباء والماء والإدارة والاقتصاد. كثير من هذه الملفات لم تكن تحتاج إلى كوردستان كي تصبح معقدة.
والمفارقة أن بعض الذين يقولون إن كوردستان لا ينبغي أن تكون حاضرة في السياسة العراقية، لا يستطيعون الحديث عن السياسة العراقية من دون ذكرها. يريدون إبعادها عن المشهد، فيضعونها في منتصف المشهد. يريدون تقليل أهميتها، فيمنحونها نصف وقت البرامج. يريدون إثبات أنها ليست مشكلة، فيقضون ساعات طويلة وهم يشرحون لماذا هي مشكلة.
فالعراق ليس الكرخ والرصافة، وليس بغداد وحدها، وليس المنطقة الخضراء، كما أن كوردستان ليست خصمًا للعراق ولا بديلًا عنه. هي جزء من تركيبته وجغرافيته السياسية، وحقوقها لا ينبغي أن تكون موضع اختبار يومي.
الدولة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى الخوف من حقوق مواطنيها. ووحدة العراق لن تصبح أقوى إذا تعاملنا مع التنوع باعتباره خطرًا. أما الدولة التي تجعل كل حق معركة، وكل اختلاف مؤامرة، وكل مطالبة دستورية أزمة، فسوف تظل تبحث عن أعدائها حتى بعد أن تنتهي من جميع مشاكلها.
وبين الكرخ والرصافة يجري دجلة، لا يسأل هذه الضفة عن تلك، ولا يطلب من إحداهما أن تتخلى عن اسمها كي تعترف بالأخرى. هكذا ينبغي أن يكون العراق دائمًا: أكبر من أن يتحول اختلاف أبنائه إلى ذريعة لإقصاء بعضهم بعضًا. عندها فقط لن نحتاج إلى أن نسأل: أين كوردستان؟
سنكون قد عرفنا أن العراق لا يكتمل بوضع جزء منه على الهامش، وأن قوته لا تحتاج إلى أن يخسر أحدٌ فيه كي ينتصر الآخر.