بعد نحو عامين من الجمود، عاد برلمان إقليم كوردستان إلى الانعقاد وانتخب هيئة رئاسته، لكن عودته لم تُنهِ الخلافات السياسية التي عطّلت عمله، بل أثارت أسئلة جديدة بشأن الحضور والمقاطعة ومستقبل التوافقات بين القوى الكوردستانية. وبين من يرى في الخطوة استعادة لمؤسسة تشريعية طال انتظار تفعيلها، ومن يتحفظ على طريقة انعقادها، يمكن قراءة المشهد من أربع زوايا تتداخل فيها تجارب الماضي مع حسابات الحاضر.
في الزاوية الأولى، دعونا نقرأ المشهد من منظوره التاريخي، فمنذ عام 1992، تعاون الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني على تفعيل البرلمان وتشكيل الحكومات بالتوافق خلال أربع دورات تشريعية من أصل ست شهدها برلمان كوردستان. أما في مراحل أخرى، فقد شهد الإقليم حالة الإدارتين المنفصلتين، أو تشكيل حكومات ائتلافية ذات قاعدة موسعة. وظلت المعادلة السياسية، بمختلف تشكيلاتها، خاضعة لتأثير الانقسام الجغرافي وموازين القوة والنفوذ والسلطة الفعلية على الأرض.
وفيما يتعلق بتعطيل العمل البرلماني، يمكن الوقوف عند أربع محطات رئيسية شهدت فيها المؤسسة التشريعية حالات متفاوتة من الشلل والجمود.
1- الشلل الأول (1994–2002): الاقتتال الداخلي والانقسام السياسي
أُصيب البرلمان بالشلل جراء المواجهات العسكرية بين الحزبين الرئيسيين، وانقسام الإقليم إلى إدارتين منفصلتين، عُرفتا بـ"المنطقة الصفراء" التي خضعت لسيطرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في أربيل ودهوك، و"المنطقة الخضراء" التي خضعت لسيطرة الاتحاد الوطني الكوردستاني في السليمانية، نسبة إلى اللونين الخاصين بشعاري الحزبين.
ورغم انتهاء الاقتتال الداخلي، استمر الانقسام في المؤسسة التشريعية، ولم يستعد البرلمان اجتماعاته الموحدة إلا في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2002، بعد نحو ثماني سنوات من بداية الأزمة، شهدت بعض النشاط البرلماني المحدود، وكانت تلك واحدة من أطول وأصعب مراحل تعطيل العمل البرلماني في تاريخ إقليم كوردستان.
2- الشلل الثاني (2015–2017): أزمة رئاسة البرلمان
في الدورة التشريعية الرابعة، توقفت جلسات البرلمان لنحو عامين، بعد منع رئيسه آنذاك يوسف محمد، المنتمي إلى حركة التغيير، من دخول مدينة أربيل في تشرين الأول/أكتوبر 2015، على خلفية الخلافات السياسية مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، قبل أن يستأنف البرلمان جلساته في أيلول/سبتمبر 2017.
3- الشلل الثالث (2022–2024): أزمة التمديد والفراغ التشريعي
بعد تعثر إجراء انتخابات الدورة السادسة في موعدها المقرر عام 2022، صوّت البرلمان على تمديد ولايته الخامسة لعام إضافي، قبل أن تقضي المحكمة الاتحادية العليا في 30 أيار/مايو 2023 بعدم دستورية التمديد واعتبار الدورة منتهية بانقضاء مدتها القانونية. وأدخل ذلك الإقليم في مرحلة من الفراغ التشريعي استمرت حتى إجراء الانتخابات الجديدة في تشرين الأول/أكتوبر 2024.
4- الشلل الرابع (2024–2026): أزمة تشكيل رئاسة البرلمان
على الرغم من إجراء انتخابات الدورة السادسة في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2024، وعقد الجلسة الافتتاحية في 2 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، فإن الخلافات العميقة بين الأطراف السياسية حالت دون استكمال انتخاب هيئة رئاسة البرلمان، فتوقفت وظائفه الرقابية والتشريعية قرابة عامين، حتى استئناف الجلسة وانتخاب هيئة الرئاسة في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
وحين يُقال إن عامين من التعطيل، قياساً بأكثر من ثلاثة عقود من عمل هذه المؤسسة، ليسا بالأمر المهم، يبرز تساؤل جوهري، أيّ مستقبل ينتظر إقليماً تتعطل فيه مؤسسته التشريعية بهذه السهولة؟
أكثر من ثلاثة عقود من الكفاح، والانتخابات، والمعارك الكلامية، ومناقشة المقترحات، وبحث عدد كبير من مشاريع القوانين وإقرارها، بما فيها تلك التي أثارت الجدل، مروراً بمراجعة مشاريع قوانين الموازنات السنوية وعقد الجلسات الاستثنائية... كل ذلك، إلى جانب نشوء علاقات الصداقة والتقارب بين النواب خلال الدورات المتعاقبة، والتفاهمات بين الكتل السياسية، وإن لم تكن عميقة وراسخة دائماً، كان يشكل، على الأقل، إطاراً مؤسسياً للتواصل واستمرار العلاقات والتحالفات، بما يسهم في استقرار الإقليم.
فكيف وصلت هذه الأطراف السياسية، بعد كل تلك السنوات من العمل في هذا الميدان، إلى مرحلة أُغلقت فيها أبواب البرلمان، ثم عاد اليوم إلى الانعقاد بهذه الطريقة، وسط استمرار الخلافات؟
ومن الزاوية الثانية، ينبغي النظر إلى المشهد بطريقة تفتح الباب أمام فهم هواجس المعارضة ومخاوفها.
فمن وجهة نظر بعض الأطراف التي لم تحضر جلسة البرلمان، لم يكن عدم توافقها مع مواقف الاتحاد الوطني الكوردستاني أو الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وغيابها عن البرلمان، مجرد موقف عابر أو نوعاً من التعنت. فاستناداً إلى تجاربها السابقة، كان الاقتراب من هذين الحزبين أشبه بملامسة "جذوة النار"، بما يحمله من مخاطر وحسابات سياسية معقدة. وهذه صورة قاسية، لكنها ليست بلا أساس في نظر تلك الأطراف.
أما الاتحاد الوطني، بوصفه أحد الحزبين الرئيسيين المشاركين في السلطة، فإن مقاطعته ترتبط أيضاً بخلافاته مع الحزب الديمقراطي بشأن إدارة المؤسسات والتوافقات السياسية وتقاسم المسؤوليات.
ففي ظل واقع أصبحت فيه فرص العمل، والصداقات، والتحالفات، وحتى المشاركة في المهرجانات والمناسبات، خاضعة لشروط واعتبارات وحسابات معينة، فإن خطوات كهذه المقاطعة قد لا تكون ناجمة عن عدم الثقة بالعملية السياسية فحسب، بل ربما عن الخوف من خسارة ثقة القواعد الحزبية والجمهور، أو التعرض لانتقادات حادة وضغوط من أطراف متشددة. وينبغي تحليل هذا الخوف للتعرف على طبيعته وكلفته السياسية.
وإذا بلغت هذه الاعتبارات مستوى تفضل فيه تلك الأطراف الانسحاب من البرلمان أو مقاطعته، حتى في ظل ما يُطرح من مخاوف بشأن مستقبل كيان إقليم كوردستان واستقرار مؤسساته، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بالعمل الحزبي والسياسة فحسب، بل بقضية الوطن والأرض. وحينها لا يكون السؤال، أين كانوا خلال مراسم افتتاح البرلمان؟ بل لماذا تُرك بيت الشعب بلا أصحابه؟
ومن الزاوية الثالثة، فلننظر إلى المشهد من نافذة الإنصاف والعدالة، فكما يُقال، إذا لم تُنر الشمعة ما حولها، فكيف لها أن تنير درب الآخرين؟
ومن باب الإنصاف والعدالة، لا يجوز إحراق الأخضر واليابس معاً، فنحن لا نعلم على وجه الدقة كيف تجري أطراف المعارضة حساباتها، ولا مدى استعدادها لاتخاذ مثل هذا القرار. فبعضها قد يكون خارج دائرة التفاهمات السياسية التي أفضت إلى هذا المشهد، بخلاف الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي حسم موقفه بالمقاطعة بوصفه طرفاً رئيسياً في المعادلة السياسية.
وباستثناء عدد من النواب الذين شاركوا خلافاً لمواقف أحزابهم، وأسهم حضورهم في إكمال النصاب القانوني للجلسة، بواقع 52 نائباً من أصل 100، فقد غابت المشاركة الرسمية لكتل الاتحاد الوطني الكوردستاني والاتحاد الاسلامي وجماعة العدل الكوردستانية والجيل الجديد وحركة الموقف.
لكن ثمة فرقاً كبيراً بين معرفة قرار المقاطعة والجزم بالدوافع الحقيقية التي تقف وراءه. فالحكم على نوايا هذه الأطراف السياسية بمعزل عن الظروف والتجارب التي مرت بها ليس بالأمر السهل. وقد يكون هذا الصمت والحذر، في جانب منه، تعبيراً عن احترام تلك الأطراف لتجاربها السابقة وحساباتها السياسية، حتى في سياق عملية إعادة تفعيل البرلمان.
أما النظرة الرابعة، فهي تتعلق بأمر لم يكن حاضراً بهذه الصورة في جميع المراحل السابقة، بل تميزت به أيامنا الراهنة، إنها أيام الكاميرات وعدسات التصوير.
ففي الماضي، كان غياب أحدهم عن حدث سياسي قد لا يعرف به سوى عدد محدود من الناس. أما اليوم، فكل غياب يُسجل ويُوثق، وكل حضور يُنشر ويُبث. ولم يعد الغياب بحد ذاته موقفاً عابراً، بل أصبح قضية تثير تساؤلات واسعة وتحظى باهتمام الرأي العام!
فالمقاعد الفارغة لم تعد مجرد غياب عن جلسة، بل تحولت إلى رسالة سياسية تخاطب الشارع بقدر ما تخاطب الخصوم.
ففي عمق المشهد السياسي الداخلي للإقليم، ترتبط القضايا والخلافات بصراع توازنات السلطة وتقاسم المكاسب وطبيعة المناخ السياسي السائد. وهذا الواقع يجعل من التوافق الوطني عملية صعبة وطويلة الأمد.
وفي ظل الخوف من الكلفة السياسية، والقلق من التعرض لسهام الاتهامات الداخلية، والحسابات الدائمة للمقاعد والمصالح، قد تنشغل الأطراف بالسؤال عمن يتحمل مسؤولية ما جرى.
فعندما يحترق بيت ما، قد يكون من المهم التساؤل عمن أشعل عود الثقاب أو من أغلق باب الخروج، لكن الاكتفاء بهذه الأسئلة، من دون التحرك لإنقاذ البيت، يُعد غفلة تاريخية لا يمكن تعويضها بأي ثمن.