في عالمٍ تتقدّم فيه لغة السلاح على لغة العقل، وتعلو فيه حسابات الردع على حسابات الحوار، بدا مشهد مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام أقرب إلى غرفة طوارئ دولية مفتوحة. أزمات تتراكم، حروب تستنزف، وتوازنات تعاد صياغتها تحت ضغط الوقائع الميدانية. وسط هذا المشهد المعقّد، لم يكن حضور رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، مجرد مشاركة بروتوكولية، بل رسالة سياسية مكثفة: الاعتدال ليس موقفًا رماديًا، بل خيار استراتيجي.
يقع إقليم كردستان في واحدة من أكثر البقاع حساسية جيوسياسيًا. فهو يتوسط خرائط النفوذ الإقليمي، ويتأثر مباشرة بتقلبات العلاقة بين بغداد وطهران وأنقرة ودمشق، كما يتأثر بتحولات السياسة الأمريكية والأوروبية في المنطقة. في مثل هذا الموقع، لا يكون الخطأ السياسي مجرد زلة عابرة، بل قد يتحول إلى كلفة وجودية.
من هنا يمكن فهم طبيعة الخطاب الذي حمله الرئیس نیجیرفان بارزاني إلى ميونخ: خطاب يوازن بين التمسك بالحقوق الدستوریان والشرعیة لمکونات المنطقة وبین استقرار دول المنطقة ككل. فالرسالة لیست تصادمية، بل تأسيسية لشراكة متوازنة.
في السياسة الشرق أوسطية، كثيرًا ما يُساء فهم الاعتدال باعتباره ضعفًا أو ترددًا. غير أن التجربة الكردية خلال العقدين الماضيين تشير إلى عكس ذلك. فالإقليم الذي واجه تهديدات أمنية جسيمة، وأسهم بفعالية في محاربة الإرهاب، اختار في الوقت ذاته أن يبني علاقاته الخارجية على قاعدة الشراكات المتعددة لا المحاور المغلقة.
هذه البراغماتية الهادئة لم تأتِ من فراغ. إنها نتاج إدراك عميق بأن الاستقطاب الحاد في المنطقة ينتج دورات عنف لا تنتهي. ولذلك، فإن الرهان على الحوار، سواء مع بغداد أو مع القوى الإقليمية والدولية، ليس خيارًا تكتيكيًا، بل فلسفة سياسية متكاملة.
تاريخيًا، ارتبطت القضية الكردية في المخيال الدولي بسردية المظلومية. وهي سردية حقيقية ومثبتة في وقائع كثيرة. غير أن التحول اللافت اليوم هو انتقال الخطاب الكردي من التركيز على جراح الماضي إلى بناء شرعية الحاضر.
في ميونخ، لم يكن الحديث عن الماضي بقدر ما كان عن المستقبل:
عن استقرار ااستقرار في العالم وسیما منطقة الشرق الأوسط، عن التعاون في مجالات الطاقة، عن دور الإقليم في تعزيز الأمن الإقليمي، وعن ضرورة أن تكون الحلول السياسية بديلاً عن المغامرات العسكرية.
هذا التحول مهم. فهو يعيد تعريف الكرد، لا كقضية إنسانية فحسب، بل كفاعل سياسي مسؤول يسعى إلى أن يكون جزءًا من هندسة الاستقرار، لا عنصرًا في معادلات الفوضى.
لا يمكن قراءة المشاركة الكردية في ميونخ بمعزل عن السياق العراقي. فالعراق ما يزال ساحة تنافس إقليمي ودولي، وحدود توازن دقيقة بين الدولة ومراكز القوى المختلفة. وفي هذا المشهد، يشكل إقليم كردستان أحد الأعمدة الأساسية في معادلة الاستقرار.
إن التأكيد على الالتزام بالدستور العراقي، وعلى حل الخلافات عبر الحوار، يبعث برسالة مزدوجة: إلى الداخل العراقي بأن الشراكة هي الطريق الوحيد، وإلى الخارج بأن كردستان ليست مصدر توتر، بل عنصر استقرار نسبي في بيئة مضطربة.
إن الوقوف على منصة ميونخ يحمل دلالة تتجاوز الخطاب نفسه. فالمؤتمر الذي يجمع قادة دول كبرى وصنّاع قرار عالميين لا يمنح مساحته إلا لمن يملك وزنًا سياسيًا أو أمنيًا في المعادلة الدولية. مشاركة رئيس إقليم كردستان تعكس اعترافًا بدور الإقليم في ملفات الأمن والطاقة ومكافحة الإرهاب.
وهنا تكمن المفارقة: في منطقة تتكاثر فيها بؤر الانفجار، يظهر نموذج يسعى إلى تثبيت نفسه عبر الاستقرار والانفتاح. ليس ادعاءً بالمثالية، بل محاولة واقعية لإدارة التعقيد بأقل قدر ممكن من الخسائر.
الشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل عميقة. تحالفات تتبدل، وأولويات تتغير، وخطوط تماس تعاد رسمها. في مثل هذا السياق، يكون الانجرار إلى المحاور أسهل من الحفاظ على التوازن. غير أن التوازن، وإن كان أكثر صعوبة، هو الخيار الأقل كلفة على المدى البعيد.
ما حمله الصوت الكردي المتمثل في شخص رئیس إقلیم کردستان إلى ميونخ هو هذه الفكرة تحديدًا:
أن الاستقرار ليس شعارًا، بل استراتيجية.
وأن الحوار ليس تنازلاً، بل أداة قوة.
وأن الشراكة ليست ترفًا، بل شرط بقاء.
قد لا تكون الكلمات الهادئة الأكثر إثارة للعناوين العريضة، لكنها غالبًا الأكثر تأثيرًا في المسارات الطويلة. على منصة ميونخ، في حضرة العالم، بدا أن الاعتدال الكردي لا يقدّم نفسه بوصفه استثناءً عابرًا، بل خيارًا سياسيًا واعيًا في زمن الانكسارات الكبرى.
وفي شرق أوسطٍ أنهكته المغامرات، فهذا الصوت الهادئ النابع من العقلانیة السیاسیة والأخلاقیة الانسانیة لهو أكثر ما یحتاجه العالم وایما الشرق الأوسط، من أي وقت مضى.