البلد الذي تُقاس ثروته بالمليارات وأصبح المواطن يقيس حياته بعدد الأيام التي يستطيع فيها راتبه أن يصمد أمام الدولار.

في العراق، يبدو أن الدولار لم يعد عملةً أجنبية بل أصبح موظفاً حكومياً بدرجة وزير، لا يغيب عن اجتماعات الدولة ولا يتأخر عن جيب المواطن وله صلاحيات مفتوحة في رفع الأسعار، بينما راتب المواطن ممنوع عليه حتى التفكير في الارتفاع!

كلما ارتفع الدولار ارتفع معه كل شيء… إلا الراتب.

وهذه واحدة من أعظم المعجزات الاقتصادية العراقية، الدولار يصعد في السوق فيصعد سعر الزيت والدواء والملابس والمواد الغذائية والإيجارات. وإذا سأل المواطن لماذا؟ يأتيه الجواب جاهزاً، الدولار!

وإذا انخفض الدولار قليلاً يسأل المواطن مرة أخرى وماذا عن الأسعار؟

هنا يسود الصمت… وكأن الدولار عندما يصعد يكون سريعاً وعندما ينزل يحتاج إلى موافقة رسمية وإجازة سياحية!

البنك المركزي يؤكد أن لديه احتياطيات كافية وأنه يمول الطلبات المشروعة بالسعر الرسمي ويشير إلى أن ارتفاع السوق الموازية يرتبط بالمضاربات والتوقعات وسوء استخدام الظروف.

لكن المواطن لا يعيش داخل البيانات الرسمية.

المواطن يعيش داخل السوق.

وهناك في السوق التاجر لا يسأله عن الاحتياطي الأجنبي ولا عن السياسة النقدية ولا عن المنصة الإلكترونية. هناك يسأله صاحب المحل سؤالًا واحداً تدفع… أم أُعيد السلعة إلى الرف؟

وهنا تتحول الموازنة من أرقام ضخمة على الورق إلى سؤال صغير جداً في بيت المواطن، ماذا سنشتري هذا الشهر؟

المفارقة الأكثر مرارة أن الدولة تتعامل مع الدولار بوصفه جزءاً من منظومتها المالية والنقدية، بينما المواطن يتعامل معه بوصفه سارقاً محترماً يدخل بيته دون استئذان.

لا يسرق منه المال مباشرة وإنما يجعل المال أقل قيمة.

ولا يحتاج إلى كسر باب البيت يكفي أن يرتفع سعره قليلاً فيتكفل السوق بالباقي.

أما الحكومة فتبدو أحياناً وكأنها نائمة في اذن الثور وتقول للمواطن "لا تقلق… الأمور تحت السيطرة".

فيجيب المواطن "إذا كانت الأمور تحت السيطرة فلماذا محفظتي هي التي تفقد السيطرة كل يوم؟".

المشكلة ليست أن الدولار موجود ولا أن السوق يتحرك ولا أن الاقتصاد العراقي مرتبط بالتجارة الخارجية. المشكلة في أن المواطن أصبح آخر من تُحسب كلفته وأول من يدفعها.

فحين تتحدث الدولة عن الإيرادات والموازنة والاحتياطيات يريد المواطن أن يرى أثر ذلك في حياته، أسعاراً أكثر استقراراً رقابةً حقيقية على الأسواق ومحاسبةً لمن يستغل فروقات الصرف لرفع الأسعار دون مبرر.

وإلا فما معنى أن تكون هناك دولة غنية بالنفط، وميزانيات ضخمة واحتياطيات مالية، بينما يقف رب الأسرة أمام رف المواد الغذائية وكأنه أمام امتحانٍ في الرياضيات؟

المواطن لا يريد أن يعرف كم ملياراً دخل خزينة الدولة.

يريد أن يعرف فقط لماذا لم يعد راتبه يكفيه؟

وهنا تصل الكوميديا العراقية إلى ذروتها، الدولة تقول لدينا دولار.

البنك المركزي يقول لدينا احتياطي.

التاجر يقول الدولار غالٍ.

المواطن يقول راتبي كما هو.

وفي النهاية…

الجميع يتحدث عن الدولار والمواطن وحده يدفع ثمن الحديث!

لقد أصبح الدولار في العراق أكثر من سعر صرف، أصبح ميزاناً لقياس قدرة المواطن على البقاء.

وإذا استمرت المعادلة على هذا النحو فقد يأتي يوم لا يسأل فيه العراقي عن سعر الدولار في السوق، بل يسأل سؤالاً أكثر مأساوية، "كم بقي من راتبي بعد أن مرّ الدولار من هنا؟"

وهذه هي المفارقة التي تستحق أن تُكتب في دفتر الاقتصاد العراقي…

"العراق، البلد الذي تُقاس ثروته بالمليارات وأصبح المواطن يقيس حياته بعدد الأيام التي يستطيع فيها راتبه أن يصمد أمام الدولار".