قروض صغيرة تغري ذوي الدخل المحدود، ثم أقساط تتضخم، ثم مساومة على بيع الكلى. بهذا التسلسل، تحولت الحاجة إلى سوق، والمدين إلى ضحية، والجسد إلى آخر أوراق التسديد، اذ كشفت الجهات الأمنية العراقية عن شبكة للاتجار بأعضاء الأحياء، لكن ما كشفته لا يقتصر على عملية أمنية، إنه مرآة لعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وسؤال عن كيف يمكن لدين صغير أن يكلف إنسانا كليته.

وظاهرة الاتجار بالأعضاء في العراق مسألة بالغة التعقيد والخطورة، وتتقاطع فيها الأسباب الاقتصادية والاجتماعية مع غياب الحماية الكافية للفئات الأكثر ضعفا. فبإعلان تفكيك شبكة من 4 متهمين (بينهم امرأتان)، تعتمد على الاستدراج بقروض ربوية وهمية بإيهام المواطنين من ذوي الدخل المحدود بقروض وسلف، مع فرض شروط تعجيزية، وبعد تراكم الديون، تجري مساومة الضحايا على بيع كليتهم لتسديدها. في حادثة أخرى منفصلة، خطط شخص لبيع كليته مقابل 14 مليون دينار (نحو 9,200 دولار)، فيما تصل أرباح شبكات المتاجرة بالأعضاء البشرية لمبالغ أكبر بكثير.

في طليعة الاسباب الرئيسة للكارثة، الفقر والبطالة اللذان يمثلان المحرك الأساسي، اذ يدفعان الشباب لبيع أعضائهم كمصدر سريع للمال، ومعدلات الفقر المرتفعة تجعل هذه الفئة أكثر عرضة للاستغلال، كما ان توريط الضحايا بقروض ربوية وشروط تعجيزية يجعلهم فريسة سهلة، مما يجعل حلقات الربا الفاحش تتكامل مع عصابات الاتجار بالأعضاء.

إن قلة الإدراك بالجوانب القانونية والاجتماعية للظاهرة تسهل استدراج الضحايا، كما يستغل السماسرة جهل الضحايا بوظائف الكلى لإقناعهم بأن بيعها آمن. وتشير تقارير حقوقية إلى أن ضعف تطبيق القانون والفساد الإداري يشجعان هذه الشبكات على التوسع، إلى جانب قصور البنية التحتية لرعاية الضحايا. فهل يغني بيع الكلى عن حياة الفقر؟ بحسب النتائج العملية التي شهدناها، وتتبع نتائج بعض العمليات والالتقاء ببعض ضحاياها، فإن الأمر غالبا ما يؤدي إلى نتائج عكسية تماما.

ووفقا لتتبع البيانات فان أوضاع الفقراء المالية بعد اجراء عملية إزالة الكلية لم تحسم، وتمثل ذلك بعودة الديون، وتظهر دراسة على 292 شخصا باعوا كلى لسداد ديونهم أن 74% منهم ما يزالون مدينين بعد 6 سنوات، وارتفعت نسبة الفقر بينهم من 54% قبل البيع إلى 71% بعده.

وأفاد 87% من بائعي الكلى في استطلاع ودراسة بتدهور حالتهم الصحية، مما يقلل من قدرتهم على العمل ويزيد الأعباء المالية، وبدلا من تحقيق الاستقلال المالي، ينزلق البائعون إلى دورة ديون إضافية وظروف صحية سيئة تحد من قدرتهم على الكسب، علاوة على ذلك، قد يكون المبلغ المالي غير كاف أو يستنزف بسرعة اذ ان 81% من البائعين أنفقوا المال في غضون 5 أشهر.

ويعجز بائع الكلية عن متابعة الامر قانونيا فيما لو نجمت مخاطر على وضعه الصحي، اذ يضعف موقفه لأنه يخالف القانون، وبالنتيجة لا يمكنه المطالبة بحقوقه أو تعويضاته عند حدوث مضاعفات صحية.

وباختصار، ان ظاهرة الاتجار بالأعضاء في العراق ليست مجرد جريمة منفردة، بل هي جريمة منظمة تتغذى على الفقر والبطالة والجهل، وتستغل ضعف الأنظمة الرقابية، وان بيع الأعضاء ليست حلا للفقر، فإن الأدلة الواقعية تؤكد أنها وهم خطير ومكلف، إذ لا تحل المشكلة المالية، بل تخلق مشكلات صحية واجتماعية أعمق.

ويمكن تقسيم الجهود المبذولة لمواجهة ظاهرة الاتجار بالأعضاء في العراق إلى مسارين رئيسيين، الأول تمثل بجهود منظمات المجتمع المدني التي تركز على التوعية والوقاية؛ وجهود الحكومة التي تعمل على المستويين التشريعي والأمني. فيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني تعمل هذه المنظمات كخط دفاع أول باستهداف الفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل محدودي الدخل والشباب عبر تنظيم ندوات في الجامعات والمدارس والمناطق الشعبية لشرح مخاطر الاتجار بالأعضاء وأساليب الخداع التي تستعملها العصابات. وبالتعاون مع بعض رجال الدين والمحامين، يجري توضيح العقوبات القانونية الصارمة، وتوعية السكان بأهمية الإبلاغ عن هذه الجرائم.

تقدم المنظمات الحقوقية ومنها مؤسسات معنية بأطفال العراق، دعما نفسيا وتمثيلا قانونيا مجانيا للضحايا بخاصة الأطفال، لمساعدتهم على التعافي والمطالبة بحقوقهم. وتتحمل الحكومة المسؤولية الأساسية عبر عدة محاور تشريعية وقانونية اذ سنت الحكومة قوانين شديدة، أبرزها قانون زرع الأعضاء البشرية ومنع الاتجار بها رقم (11) لسنة 2016، الذي يعاقب المتاجرين بعقوبات تصل الى السجن المؤبد وغرامة قد تصل الى 40 مليون دينار كحد اقصى.

وتشن الأجهزة الأمنية مثل مديرية مكافحة الاتجار بالبشر، عمليات استخبارية لتفكيك الشبكات الإجرامية، وأعلنت مؤخرا عن تفكيك شبكات دولية متخصصة ببيع الكلى، وتقول اللجنة المركزية لمكافحة الاتجار بالبشر انها نفذت استراتيجية وطنية (2023-2026) قامت على أربعة محاور شملت الوقاية، وحماية الضحايا، والملاحقة القضائية، والتعاون الدولي. وسعت الحكومة لتوفير الملاذات الآمنة، والدعم النفسي، وبرامج إعادة التأهيل للضحايا، مع تشديد الضوابط الطبية والقانونية على عمليات زرع الأعضاء لمنع الاستغلال.

ان مواجهة ظاهرة المتاجرة بأعضاء البشر الاحياء تتطلب تكاملا بين الجهود الرسمية والمجتمعية. ففي حين تضع الحكومة الأطر القانونية وتلاحق الجناة، تقوم منظمات المجتمع المدني بتحصين المجتمع عبر التوعية وكسر حلقات الاستغلال. ومع ذلك، تبقى هناك حاجة لتطوير آليات التنسيق بينهما وتكثيف حملات التوعية التي تستهدف الفئات الأكثر ضعفا لسد الثغرات التي تستغلها العصابات.