فيما تتهاوى المقاهي التراثية والمرافق الثقافية لحساب انتشار المطاعم في العراق، يظهر المشهد كأنه تنازل بطيء عن روح المدينة وهوية مجتمعها لصالح وجبات، كثير منها غير آمن، وحين يغيب القانون وتتهاون الرقابة، يتحول كل طبق إلى مخاطرة، وتفقد المدن بساطتها وأمانها، بين شهادة صحية مغيبة، وقضاء متفرج، ومواد مجهولة تسد بها الجيوب، فتصبح المائدة العراقية رهينة للفوضى.
تنتشر المطاعم في العراق بصورة لافتة، لتحل محل المقاهي والنوادي، ولكن كثيرا من المطاعم تفتقر إلى الشروط الصحية المطلوبة ما يؤدي في بعض الأحيان إلى التسمم الغذائي بصورة جماعية.. حدث ذلك في أكثر من واقعة؛ كما جرى القبض مؤخرا على صاحب مطعم يستعمل لحوما غير صالحة للاستهلاك البشري وقيل انه يبيع لحم الخنزير على أنه لحم مواش، وحكم عليه بعشر سنوات سجن، وقبل ذلك كان قد قبض على اشخاص يذبحون الحمير ويبيعون لحمها.
تتواصل هذه الخروقات والانتهاكات الصحية في قطاع المطاعم في العراق نتيجة لتداخل عدة عوامل اقتصادية، وتنظيمية، ورقابية. فلقد عجزت لجان الرقابة الصحية والرقابة التجارية عن تغطية العدد الهائل والمتزايد باستمرار من المطاعم ومقاهي الطعام الشعبية والسريعة.
كما يجري استغلال بيروقراطية الجهات المعنية والثغرات القانونية لإبطاء وحتى تعطيل الإجراءات القانونية والقضائية في بعض الأحيان، فضلا عن إمكانية الإفلات من العقوبات الصارمة عبر التسويات أو استغلال الثغرات الإدارية قبل تشديد القوانين مؤخرا.
ولدوافع الجشع وتقليل التكاليف وارتفاع أسعار المواد الغذائية لجأ بعض أصحاب المطاعم إلى شراء لحوم ومواد أولية منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر ورخيصة الثمن لتعويض ارتفاع تكاليف التشغيل والحفاظ على هامش ربح مرتفع.
ويغيب الوازع الأخلاقي والمهني فتتراجع الرقابة الذاتية لدى بعض المستثمرين في قطاع الأغذية وتقديم الربح المادي على حساب صحة المواطن وسلامته، ويسهم القصور في البنى التحتية وانعدام التثقيف في تعظيم الكارثة، وذلك بضعف الوعي الصحي وعدم إخضاع كثير من العاملين في المطاعم لدورات إلزامية في السلامة الغذائية والنظافة الشخصية وطرق التخزين السليم، كما تنتشر بيئة المطاعم العشوائية برواج المطاعم غير المرخصة أو التي تعمل في أماكن تفتقر لأبسط شروط التهوية، والتبريد، والتخلص الآمن من النفايات.
يستغل بعض أصحاب المطاعم شبكات العلاقات أو تقديم الرشى لغرض تجاوز الشروط الصحية المطلوبة عند التفتيش أو لعرقلة إغلاق المحال المخالفة، فتقع على عاتق الدولة مسؤولية محورية وتكاملية لحماية الأمن الغذائي للسكان والحد من هذه الانتهاكات الخطيرة، و تتوزع هذه المسؤولية على عدة جهات حكومية تتركز بالرقابة الميدانية والتفتيش المستمر واجراء حملات تفتيش مفاجئة و تكثيف الجولات الميدانية لفرق الرقابة الصحية التابعة لوزارة الصحة، ومديريات الجريمة المنظمة والأمن السياحي لمراقبة المطاعم والمخازن في أوقات متعددة.
ويتوجب إلزام المطاعم بإخضاع المواد الأولية واللحوم لفحوصات مختبرية دورية والتأكد من أختام المجازر الرسمية ومصادر التوريد، وتطبيق وتحديث أحكام قوانين العقوبات والقوانين الصحية بحق المخالفين، وتضمينها عقوبات سجن طويلة وغرامات مالية باهظة لكل من يتلاعب بصحة المواطنين (على غرار الحكم بالسجن عشر سنوات على بائع لحم الخنزير)، واللجوء الى قرارات إغلاق وسحب التراخيص بفرض عقوبة الغلق الفوري والنهائي وسحب رخصة العمل للمطاعم التي تثبت إدانتها بتقديم أغذية فاسدة أو غير صالحة.
ويجب ربط تجديد أو منح رخص فتح المطاعم باجتياز فحص دقيق لشروط السلامة العامة، والتخزين البارد، وأنظمة الصرف الصحي والتهوية وإلزامية الشهادات الصحية بفرض دورات تدريبية إلزامية وإصدار شهادات صحية معتمدة لجميع العاملين في قطاع الطهي وتقديم الطعام تتعلق بالنظافة وسلامة الغذاء، والتفعيل الرقمي والإبلاغ المجتمعي، وانشاء خطوط ساخنة ومنصات للإبلاغ وتوفير تطبيقات حكومية وأرقام هواتف مجانية ومباشرة للسكان للإبلاغ عن حالات التسمم أو المخالفات الصحية في أي مطعم، مع حماية سرية المبلغ. ويتوجب نشر أسماء المطاعم المغلقة بسبب المخالفات الصحية الجسيمة في وسائل الإعلام والمنصات الرسمية، ليكون ذلك رادعا حقيقيا وتحذيرا للجمهور؛ وتنجح هذه الإجراءات غالبا عند اقترانها بإصلاحات إدارية صارمة لقطع الطريق أمام أي حالات ابتزاز أو تهاون في تطبيق القانون.