في تاريخ الموسيقى العراقية تظهر أسماء كثيرة لكن قليلاً منها يتحول إلى علامة ، علاء مجيد واحد من هؤلاء الذين لا يكتفون بالعزف أو القيادة بل يصنعون معنى جديداً للموسيقى نفسها ، هو ليس مجرد مايسترو يقف أمام الأوركسترا إنه رجل يحمل على كتفيه تراثاً كاملاً ويعيد تشكيله كل مرة كأنه ينقذ ذاكرة وطن من الضياع .

وفي مشهد موسيقي يعاني من التشتت وتراجع الإنتاج يبرز اسم المايسترو علاء مجيد بوصفه واحداً من أهم الشخصيات التي حافظت على الخط الموسيقي العراقي الأصيل وقدمته للأجيال الجديدة بأسلوب معاصر دون أن يفقد جذوره ، علاء مجيد الذي يمتد مشواره لأكثر من أربعة عقود أصبح اليوم مرجعاً في قيادة الفرق الموسيقية وإحياء التراث داخل العراق وخارجه .

ولد علاء مجيد عام 1960 في العمارة ، المدينة التي تتقاطع فيها مياه دجلة مع ذاكرة الجنوب ، هناك في بيئة مشبعة بالأنغام الشعبية تشكلت أولى بذور الحس الموسيقي لديه ، لكن انتقاله المبكر إلى بغداد كان نقطة التحول العاصمة التي لا تمنح المجد بسهولة لكنها تعطيه لمن يستحقه ، في معهد الدراسات الموسيقية بدأ رحلته مع آلة الناي ، الآلة التي تحتاج إلى روح قبل أن تحتاج إلى نفس فكان مجيد يدرسها كما لو أنه يتعلم لغة جديدة .

لم يكن مجيد مجرد طالب مجتهد كان مشروع قائد موسيقي منذ بداياته ، انضم إلى الفرقة القومية للفنون الشعبية بين 1977 و1983  ثم عمل مع فرقة التراث العراقي قبل أن يقوده القدر إلى واحدة من أهم محطاته وهي  قيادة الفرقة الموسيقية لبرنامج أصوات شابة بإشراف المرحوم فاروق هلال ، البرنامج الذي قدم لاحقاً أسماء أصبحت أعمدة في الساحة الفنية العراقية.

قاد مهرجانات عربية ودولية من بابل إلى جرش إلى باريس ووقف على منصات عالمية ممثلًا العراق ليس كعازف فقط بل كصوت للهوية الموسيقية العراقية.

حين غادر العراق لم يغادر الموسيقى في السويد أسس فرقة طيور دجلة واحدة من أنجح التجارب العراقية خارج الوطن حيث جمع الأصوات النسوية وقدم التراث العراقي بأسلوب حديث دون أن يفقد أصالته.

ثم انتقل إلى لندن ليصبح عميد أكاديمية الموسيقى العربية ويؤسس فرقاً جديدة بينها فرقة التراث العربي وفرقة سومريات النسوية التي وصلت إلى أكثر من 60 مؤدياً بين عازف ومغني.

بعد غياب دام 21 عاماً ، عاد علاء مجيد إلى بغداد ليؤسس الفرقة الوطنية للتراث الموسيقي العراقي ويعيد تقديم الأغنية العراقية الأصيلة لجيل جديد لم يعش زمنها الذهبي ، في حفلاته لا يقف كقائد أوركسترا فقط بل كحارس لذاكرة العراق يقدم المقام والموشحات والأغاني التراثية بصرامة فنية لا تقبل التنازل.

من يشاهد علاء مجيد على المسرح يدرك أن الرجل لا يحرك يديه عبثاً ، كل إشارة منه تحمل معنى وكل حركة هي جزء من بناء موسيقي متكامل ، يملك قدرة نادرة على ضبط عشرات العازفين والمغنين دون أن يفقد دفء الأداء أو روحه ، إنه قائد يعرف كيف يوازن بين الانضباط والخيال .

قدم ودعم أصواتاً شابة كثيرة بينها كرار نوري ، حسين جبار ، ضامن ياس خضر وغيرهم ممن وجدوا في علاء مجيد بوابة عبور إلى الاحتراف .

حصل على لقب أفضل موسيقي شاب عام 1986 وعلى قلادة الإبداع وشهادات تقدير من مهرجانات عربية ودولية وصولاً إلى جائزة التميز لموظفي الدولة العراقية عام 2024 ،  لكن القيمة الحقيقية لعلاء مجيد ليست في الجوائز بل في أثره في الفرق التي أسسها وفي الأصوات التي صنعها وفي التراث الذي أنقذه من التلاشي .

في زمن تتسارع فيه الإيقاعات الإلكترونية وتختفي الأصوات الأصيلة يقف علاء مجيد كجدار أخير يحمي الموسيقى العراقية من التلاشي ، هو ليس مجرد مايسترو إنه ذاكرة وطن ومرآة لروح العراق وصوت يعيد للناس ما فقدوه من جمال .