علي حسين فيلي/ إن "عراقا بلا كورد" لن يشهد مجرد تغيير جغرافي أو سياسي فحسب؛ فبصرف النظر عن الروابط التاريخية، يعني ذلك انهيار العلاقات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. إن التبعات ستكون سريعة، شاملة، وعابرة للحدود؛ ولا يمكن القول إن أزمة بغداد وأربيل من صنع طرف واحد.
تدرك بغداد أن رؤية الشعب الكوردي هي مزيج من المطالب القومية والحقوق القانونية، وقضية الهوية؛ لذا فإن أي حل يجب أن يأخذ هذه الأبعاد بعين الاعتبار.
أما أصحاب الرؤية البراغماتية والمهتمون بسبل العيش، فيتطلعون إلى أن تخفف السلطات من حدة التوترات، وألا يقفوا عائقا أمام الجهود الرامية لحل تلك الأزمات الجوهرية التي لم تندمل جراحها منذ سنوات، ويبدو أن الأجيال القادمة ستكون هي الوارثة لها.
إن الأبعاد المتصلة بالهوية والمواطنة لسيناريو "عراق بلا كورد" ستغير العلاقات المجتمعية أو تقضي عليها تماما؛ إذ إن ما يمارس الآن هو سياسة تجاهل الحقوق وتعطيل العدالة، وهو ما سيترتب عليه ضريبة اجتماعية وأخلاقية طويلة الأمد ولا يمكن تعويضها.
السؤال المصيري هو: هل نريد إحياء تاريخنا المشترك بطريقة شاملة، أم نسمح لتخبط لحظات تجاوز "الخطوط المقدسة" بأن يحرق الميراث الإنساني وقيم المواطنة في هذا البلد؟
في الوقت الذي تحتاج فيه أسس العلاقة حتى بين جارين إلى استراتيجية طويلة الأمد، لماذا لا يرى أي وزير أو مسؤول عراقي "من صانعي الكوارث" أن الوضع الراهن يمثل خطرا داهما؟ رغم أن هذا النوع من السلوك والسياسة هو ما يحدد مستقبل العراقيين.
إن فقدان أي جزء من جغرافية العراق ليس حدثا يغير الحدود فحسب، بل ستكون نتائجه ذات تكلفة متسارعة وباهظة جدا؛ والسياسة العقلانية تجاه هذه المخاطر لن تسامح وزارة المالية أو التخطيط مثلاً ولا أي مؤسسة ذات صلة.
ومن أجل تقليل أضرار سيناريو فقدان شعب وجغرافية كوردستان، يحتاج الفكر المركزي (بغداد) إلى فعل تقني لا تكتيكي؛ وإلى عدالة مالية لا إلى "وزارة لقطع الأرزاق"، والى تخطيط مدروس لا تخبط مدسوس.
إن الانفتاح البعيد عن التعصب هو نية مسبقة وضرورية، لأن الاتجاه السائد في هذا البلد يمضي نحو زيادة الاستقطاب، وخطر الانقطاع الحقيقي، والتمدد نحو مزيد من الأزمات.
أصحاب هذه الأفكار يسوّقون عبثاً أن "رفع الحيف الظلم" يمر عبر طريق التهجير القسري ونقل أصحاب الأرض من منطقة إلى أخرى، والأصح أن تغيير هذا المسار عكسياً هو ما يعيد بناء الثقة ويخلق هوية جامعة بين المكونات. فكل خطوة لا تلتزم بالعقلانية ستكون لها ضريبة طويلة الأمد ومولدة للأزمات؛ والقرار السياسي المدروس بإمكانه تحديد طريق الاستقرار أو الانهيار.
إن محاولة الحل تعني التوافق في الإرادة والقرار العام، الذي يجب أن يمنع تراكم مسببات عدم الاستقرار السياسي، والراديكالية، وتصاعد الاحتجاجات، والمزيد من التصدع الاجتماعي بين المكونات؛ وهذه العملية تحتاج إلى إجراءات قانونية وسياسية وليس إلى إجراءات تعسفية قهرية.