أسفرت المباراة الحاسمة للمنتخب الوطني العراقي لكرة القدم للتأهل لبطولة كأس العالم المقبلة في حزيران 2026 عن الفوز على المنتخب البوليفي، ما أدى إلى صعود العراق للمشاركة في البطولة العالمية، وقد انبثقت اثر ذلك مظاهرات فرح جماهيرية كبيرة في بغداد والمحافظات احتفاء بهذا الفوز، إلا أن بعض العراقيين لم يشاركوا الجماهير تلك الفرحة منتقدين التعبير عن مظاهر البهجة، بالقول إن هناك ضحايا من العراقيين يسقطون قتلى نتيجة تداعيات الحرب القائمة في المنطقة؛ وقد حدث كثير من التلاسن الكلامي لاسيما في مواقع التواصل الاجتماعي بين الطرفين تصاحبه الشتائم في بعض الأحيان.

فلماذا تبرز مثل تلك المشاعر المتناقضة في مناسبة وطنية يفترض الاحتفال بها بخاصة أن الرياضة تعد من وسائل الحياة الضرورية والأساسية التي توحد بين الناس؟

نرى في هذا التباين في المشاعر تجاه حدث رياضي كبير كالتأهل لكأس العالم ليس مجرد خلاف عابر، بل هو انعكاس لتعقيدات نفسية واجتماعية تظهر عادة في المجتمعات التي تعيش ظروفا استثنائية.

يرى الفريق المعارض للاحتفال أن هناك اولوية للألم، ففي ظل تواجد ضحايا أو تهديدات أمنية ناتجة عن صراعات المنطقة، يشعر البعض أن الفرح العلني الصاخب يمثل نوعا من عدم الاكتراث، أو الهرب من الواقع المؤلم، فيما يتعلق بهؤلاء، الحزن هو استحقاق أخلاقي لا يتقدم عليه أي إنجاز آخر، مهما كان حجمه.

المحتفلون، يرون في كرة القدم المتنفس الوحيد والنافذة التي تمنحهم الشعور بالهوية الوطنية الإيجابية بعيدا عن أخبار وآلام السياسة والحروب. الفوز هنا ليس مجرد رياضة، بل هو إثبات للذات والقدرة على الحياة والانتصار برغم الظروف.

 قد يخشى البعض أن تستعمل هذه الانتصارات الرياضية كأداة لصرف النظر عن القضايا المصيرية والدماء التي تسيل، مما يخلق نوعا من المقاومة النفسية لكل ما يشتت الانتباه عن القضية الأساسية، بحسب ما يرون.

ان المجتمعات التي مرت بحروب طويلة غالبا ما تعاني من مستويات عالية من الحساسية، هذا يجعل التعبير عن المشاعر سواء فرحا أو حزنا حادا جدا؛ و ان التخاصم و التلاسن  في مواقع التواصل الاجتماعي بين الطرفين في العراق هو في الحقيقة تفريغ لشحنات من التوتر والقلق المتراكم، اذ يسقط كل طرف مخاوفه على الطرف الآخر، ويبرز ذلك في التباين في تعريف الوطنية، فطرف يرى الوطنية في رفع علم البلاد في المحافل الدولية وبخاصة كأس العالم، والفخر بمنجز شبابها، و طرف يرى الوطنية في التضامن مع القضايا الاقليمية والمحلية والحزن على المفقودين.

هذا الاختلاف في التعريف هو ما يحول المناسبة الوطنية من وسيلة جامعة إلى مقسمة للآراء.

 وتسهم المنصات الرقمية في تضخيم الاستقطاب، فبدلا من الحوار الهادئ بشأن أهمية الرياضة كرسالة سلام، تميل ما تسمى الخوارزميات إلى إبراز الآراء المتطرفة من الجانبين، مما يجعل الصدام الكلامي يظهر كأنه صراع بين فرح غير مسؤول وحزن منغلق، في حين ان الحقيقة غالبا ما تكون مزيجا من الاثنين لدى معظم الناس.

ان الرياضة توحد الناس حين تكون الظروف مستقرة، لكن في أوقات الأزمات الكبرى، تصبح اختبارا لمدى قدرة المجتمع على الموازنة بين حق الحياة والفرح وبين واجب التضامن والتعاطف، وتشير بعض الدراسات الى ان المشاعر المتناقضة هنا هي دليل على حيوية المجتمع وتأثره العميق بما يحيط به، وليست بالضرورة دليلا على انقسام وطني دائم.